الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 بدأت عملي في دار «أخبار اليوم» ربيع عام تسعة وستين من القرن الماضي، كانت جراح هزيمة يونيو لاتزال طويلة تنزف، تصاعدت وتيرة حرب الاستنزاف خاصة بعد استشهاد الفريق عبد المنعم رياض في التاسع من مارس وخروج أكثر من مليوني مصري لتشييع جثمانه، مازلت أذكر هذه اللحظة التي وصلت فيها إلى ميدان التحرير المركز السياسي للقاهرة، فوجئت بالميدان مزدحما بحيث لم يكن فيه موضع لقدم، لم أعرف هذا الحشد إلا مرتين، الثانية عندما خرج القوم لتشييع جنازة جمال عبد الناصر، مازلت أذكر ذلك الصمت الرهيب الذي خيم على الميدان الفسيح قبل بدء تحرك عربة المدفع التي تحمل جثمان الشهيد. رئيس أركان الجيش المصري الذي استشهد في الخندق الأول للمواجهة. وكان ذلك نقطة تحول في علاقة الشعب بجيشه المهزوم في يونيو، كانت إشارة إلى الظلم الذي لحق العسكرية المصرية والتي لم يتح لها فرصة قتال حقيقية. ما علق بذاكرتي ذلك المشهد المهيب لوقوف الناس في صمت رهيب. سرعان ما تبدد مع بدء تحرك الموكب الجنائزي، عندما وصل عبد الناصر إلى شارع سليمان باشا، أطبق الزحام عليه. كسر الطوق الأمني،وعندئذ أقدم الناس على إحاطته، على حمايته، رأيت هذا بأم عيني، لحظة لا تنسى، ولعل عبد الناصر إستمد منها معنويات خاصة خلال حقبة عصيبة من حياته كان قد أعطى الأولوية المطلقة لبناء القوات المسلحة. في تلك الفترة كنت أمر بمرحلة عميقة من الألم الروحي الذي بدأ مع وقوع الهزيمة، وكان الوضع في الواقع خاصا، فالجبهة الممتدة بحذاء قناة السويس تشهد عمليات عسكرية يوميا في تصاعد مستمر، ولكن الجبهة الداخلية بعيدة عن هذا القتال لم يطلها إلا عمليات محددة قام بها الطيران الإسرائيلي، كان أبشعها مذبحة مدرسة بحر البقر التي قصفتها الطائرات الحربية المعادية، ومصنع أبو زعبل، كانت الجبهة مشتعلة في المواجهة، عادية في القاهرة، شغلني هذا التناقض طويلا، وقبل أن أعمل في «أخبار اليوم» افتعلت مهمة أسافر بمقتضاها إلى مدينة بورسعيد، كان ذلك في نهاية عام سبعة وستين لم تكن مدن القناة قد هجرت من سكانها بعد، وكان الطريق يمضي بحذاء قناة السويس التي توقفت الملاحة بها منذ يونيو، مازلت أذكر الذعر الذي بدا على سائق الحافلة فجأة، انحنائه المفاجئ، تطلعه إلى الجهة الأخرى حيث الضفة الشرقية من القناة التي كان يرفرف على بعض المواضع الناشئة منها علم إسرائيل الذي لم أره من قبل إلا في الكتب، لابد أن السائق رصد شيئا ما، فيما بعد توقفت الحركة على هذا الطريق وصار الوصول إليه محفوفا بالمخاطر. بعد أن عملت بدار «أخبار اليوم» بقسم المعلومات، فوجئت بتطورات وقعت في نهاية عام تسعة وستين، إذ تم إبعاد الأستاذ محمود أمين العالم رئيس مجلس الإدارة وعدد آخر من القيادات معظمها من الماركسيين الذين كان جمال عبد الناصر قد ألحقهم بالمؤسسات الصحفية بعد حل التنظيمات اليسارية عام أربعة وستين، صدر قرار بتعيين أنور السادات مشرفا عاما على «أخبار اليوم»، وعودة الاستاذ موسى صبري رئيسا لتحرير الاخبار، وكان أقصى عنها ليصبح رئيسا لتحرير جريدة «الجمهورية»، ولأن الاستاذ محمود أمين العالم هو الذي الحقني بالدار، فتوقعت استبعادي في أي لحظة، خاصة أنني كنت أمر بمرحلة دقيقة، استكمال أوراق تعييني بالدار ، وكنت في الشهور السابقة، معارا من المؤسسة التي عملت بها ست سنوات كمصمم للسجاد الشرقي، مؤسسة التعاون الإنتاجي، أصبحت حذرا، متوقعا الاقصاء في أي لحظة، خاصة أن المناخ العام في الدار كان معاديا للصحفيين اليساريين، في عصر أحد الأيام، كنت في صالة التحرير أقوم بعملي إلى جوار الزميل حنفي سليمان - رحمه الله - عندما جاء الساعي الخاص بمكتب الاستاذ موسى صبري ليخبرني أنه يرغب في رؤيتي، توقعت اللحظة الحاسمة، لم أكن أعرفه من قبل، عندما وجدت مكتبه المفتوح دائما فوجئت به يغادر مقعده، يتجه إلى مرحبا، ويطلب منى الجلوس، قال إنه قرأ عن كتابي، أوراق شاب عاش منذ ألف عام، وأنه عثر أخيرا على نسخة منه، أنه معجب جدا بما كتبت، ثم قال، أنت موهوب، وظل يقرن هذا الوصف بي فيما تلى ذلك من سنوات، ثم فاجأني بسؤاله: «ماذا تفعل في قسم المعلومات ؟» قال إنني يجب أن أنتقل إلى قسم التحقيقات، إن الوضع الصحيح لي في هذا القسم، أصغيت إليه مصابا بالوجوم، أبدى دهشته قائلا أن قسم التحقيقات الصحفية أمل كبير لمعظم الصحفيين، وكان يتصور أنني سأقابل إقتراحه بسعادة، طلبت منه أن يمهلني حتى الغد، لقد كان سبب وجومي خوفي الكامن من العمل الصحفي، يرجع هذا الخوف إلى ما قرأته عن تجارب الآخرين، خاصة أرنست همنجواي الذي علق بذاكرتي قوله إن الاديب الذي يعمل بالصحافة عليه أن يعرف الوقت الذي يجب أن يغادر فيه العمل الصحفي لأنه يدمر الذاكرة. وكان تعبيره «تدمير الذاكرة» يصيبني بحالة من الرعب.كان العمل بالنسبة لي في قسم المعلومات مثاليا، مجرد سويعات بعد الظهر تمكنني من التفرغ للقراءة والكتابة بشكل أفضل، أما عملي في قسم التحقيقات فلن يكون مماثلا، مضيت في نفس الليلة إلى أستاذنا محمد عودة، الإنسان الذي علمنا الكثير - أمد الله في عمره - قصصت عليه ما جرى، أصغى إلى بهدوء. قال: أسمع..موسى صبري صحفي محترف وأظنه يريد أن يتيح لك فرصة جيدة، أما عن الأدب فيمكنك أن تتحكم في ظروفك، سوف يتيح لك العمل بالتحقيقات فرصا جيدة للتجربة. فيما بعد صار موسى صبري يذكر هذا الموقف، ولا أدري كيف عرف بلجوئي إلى محمد عودة طلبا للمشورة، كان يحكي عن ترددي وقبولي باعتباره من المواقف الغريبة التي قابلها في عمله الصحفي، لقد توثقت علاقتي به.ورغم اختلاف مواقفنا خاصة في سنوات حكم الرئيس السادات وقد كان مقربا منه، إلا أنني أقول أنه كان صحفيا كبيرا، ومهنيا حتى النخاع، وامتدت بيني وبينه صداقة عميقة وصلة إنسانية حتى وافاه الأجل. التحقت إذن بقسم التحقيقات الذي كان يرأسه عادل حسين - رحمه الله - ويضم صفوة من كبار المهنة، أذكر منهم سيد الجبرتي - رحمه الله - ومصطفى طيبة - رحمه الله - وسعيد حبيب - رحمه الله - وآخرين لا أذكرهم الآن، في أول اجتماع اقترحت السفر إلى الجبهة لاعداد تحقيقات عن مدن القناة، المدن التي تعيش المواجهة اليومية، فوجئت بعادل حسين في اليوم التالي يخبرني أن الاخبار سترسل وفدا إلى الجبهة،وأنني سأصحبهم، كان الوفد برئاسة أحمد زين رئيس قسم الأخبار وقتئذ، وضم الأستاذ صلاح قبضايا المحرر العسكري الشهير للأخبار والذي قام بتغطية ممتازة للحرب في اليمن وأصيب بطلقة كادت تقضي عليه، وأيضا الفنان مصطفى حسين، كان مدير مكتب الأخبار في بورسعيد مصطفى شردي - رحمه الله - وكان صحفيا قديرا، صاحب تاريخ وطني مشرف. مازلت أذكر نزولنا مدينة بورسعيد التي كانت شبه خالية بعد أن تم تهجير معظم أهلها ، لقد بقى فيها حوالي ثلاثة آلاف يديرون مرافقها، وكان عدد سكانها يتجاوز المائة وخمسين ألف وقتئذ. لبورسعيد طابع خاص، يجمع بين الهوية المصرية وروح البحر الابيض، تعرفت خلال هذه الزيارة إلى العديد من الشخصيات الذين أثروا البقاء فيها وقرروا ألا يهاجروا رغم الاخطار، بقى منهم في ذاكرتي أستاذ جامعي متقاعد. ابنه يعمل في اليونان، كان وحيدا، وكان يقضى معظم وقته في صناعة نماذج لسفن بحرية جميلة يعرضها في مطعم شبه خال من الرواد اسمه «جنانيولا» ـ بقى مفتوحا طوال فترة الحرب. على الضفة الآسيوية تقع مدينة بور فؤاد، عبرنا القناة إليها واتجهنا جنوبا حتى موقع يطلق عليه الكيلو عشرة، أو رأس العش، هنا جرت معركة في آخر يونيو، أي بعد وقف إطلاق النار بحوالي أسبوعين، عندما تقدم طابور مدرع إسرائيل محاولا احتلال ما تبقى من سيناء غير أن قوة من الصاعقة المصرية، أي مشاة تصدوا للطابور وتمكنوا من تدميره، وبالتالي بقى جزء من سيناء محررا. عدت إلى القاهرة منفعلا بما رأيت، شعرت أن التواجد الزمني القصير في الخطوط الأمامية منحنى توازنا روحيا كنت بحاجة إليه، وشعورا أقوى بالمشاركة، لم أعرف الحياة العسكرية إلا من خلال فرق الفتوة التي انتظمنا فيها خلال مرحلة الدراسة الثانوية كنت معفي من التجنيد لضعف البصر منذ عام خمسة وستين، غير أنني شعرت بالرغبة في تكرار الزيارة، كنت أقوم بعمل يحقق لي نوعا من المشاركة في ظرف صعب يمر به وطني، كتبت بعد الزيارة الأولى تحقيقا صحفيا نشر على الصفحة الثالثة من الاخبار بعنوان «المقاتل المصري كما رأيته على خط النار» كان أقرب إلى المقال الأدبي ويحفل بانطباعاتي الخاصة، مثل «ورأيت..» و«شعرت..» وهذا غير مألوف في التحقيقات الصحفية وقتئذ. في ديسمبر من العام نفسه سافرت مرتين إلى مدينة السويس، المرة الأولى كانت يوم عيد الفطر، وعدت لأكتب عن المقاتلين وكيف أمضوا العيد، بعد حوالي أسبوع كنت في الطريق من المقهى الذي اعتدت الجلوس عليه في الصباح بمنطقة باب اللوق إلى دار «أخبار اليوم»، عند الناصية فوجئت بسيارة الاستاذ موسى صبري تتوقف إلى جواري، كان يمتلك سيارة صغيرة من طراز نصر. رمادية اللون، كان مثالا للصحفي الشريف، نظيف اليد والسيرة ولي حديث عنه يطول فيما بعد، قال لي: «تعالى إلى مكتبي..» لحقت به، فوجئت به يسلمني خطابا موجها إلى إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة يطلب فيه اعتمادي كمحرر عسكري للأخبار. فيما تلى ذلك من سنوات، في نهاية السبعينيات، توثقت علاقتي بالفريق أول متقاعد محمد فوزي - رحمه الله - وهو الرجل الذي يرجع إليه الفضل في بناء القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو. ثم اعتقله الرئيس السادات في مايو الشهير عام 1971، تزاملنا بعد خروجه من السجن في منظمة التضامن الأسيوي الأفريقي، واتصلت بيننا مودة عميقة، وفي حوار طويل أجريته معه - سجل - قال إن ما كتبته عن القوات المسلحة لفت نظر الرئيس جمال عبد الناصر، حدثه عما قرأه في الاخبار قائلا إن هذه الكتابة هي التي نحتاجها عن الرجال. يومها حدقت صامتا إلى الفريق أول فوزي عندما أدركت السبب الذي اصبحت بعده محررا عسكريا لواحدة من أوسع الصحف العربية انتشارا، ولأبدأ تجربة ثرية عميقة أضافت إلى إنسانيتي الكثير ـ كاتب مصري