الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 يمنح التاريخ باستمرار للامم لحظات حاسمة من حياتها الطويلة حتى تقف امام الحقائق العارية للاعتبار واستخلاص الدروس الكبرى لمواصلة البقاء، واذا عجزت في هذه اللحظات عن الاعتبار فان التاريخ يواصل مسيرته كالنهر العظيم بدونها، اي انه يخلفها واقفة على حافة النهر تنظر وتنتظر. وتسعى الامم الى أمجاد اخرى، ويوم التاسع من ابريل 2003 هو يوم ليس كالايام، بل هو الرمز الحي لتلك اللحظة التاريخية الحاسمة.. بل هو «أم الحواسم» بالمعنى الحضاري وليس بالمعنى الدعائي يوم جليل بأتم معاني الجلال ونحن نتابع سقوط الاوثان.. والاوهام.. والاخطاء وسوء التقدير، في دوي مهول كالزلزال، واذا لم نسع نحن العرب لقراءة عميقة وامينة وصريحة لما حدث فاننا سنغادر بالرغم من ذلك النهر الواثق العظيم، نهر التاريخ الذي لا يرحم لنقف على شفا التيار عاجزين. ان هذا الزلزال حدث من فراغ كبير صنعناه نحن بأيدينا: فراغ في المؤسسات الرسمية التي لم تتطور في اغلبها الى انماط ذكية ومقتدرة من الحكم الصالح البعيد عن الامزجة والاهواء الفردية والاحزاب الواحدة المعصومة عن الاخطاء، وفراغ في المؤسسات التربوية والتعليمية التي ظلت تلقن الاجيال وتحفظهم وتعلمهم الخنوع عوض تفجير طاقات الشك والتفكير والحوار وحبّ التفوق. لقد تخرجت من مدارسنا وجامعاتنا اجيال عربية وقفت طوابير في الصباح لتحية القائد المهيب والزعيم الملهم والظافر في الكفاح والضامن للنجاح.. اجيال عربية خوفناها بالغول وعذاب القبر وعذاب الدنيا وخوفناها بالشرطي والمخابرات ولجان الرعاية ولجان الميليشيا ومقرات الحزب الحاكم حيث يصول ويجول الصعاليك في اشكال «مناضلين» و«رفاق». اجيال عربية تفتح نوافذ السيارات الفارهة وترمي علبة البيبسي وبقية السندويتش في الشارع العام. اجيال عربية علمناها عبادة ارباب من دون الله.. وحين جدّ الجد انهارت امام القصف وامام التهديد لأننا لم نحصّنها ولأننا قررنا بالنيابة عنها كل ما يهمّها من شئون المجتمع وهمشناها وصفينا مقدراتها بالاعلام الرسمي الخادع الذي على مدى نصف قرن ظل يمجد القائد الاوحد ويرقع ثوب المجتمع الممزق بالشعارات الجوفاء والحسابات العرجاء. ولعل الرمزين اللذين سيظلان طويلاً عالقين بأذهان الناس في العالم هما صورة الجنرال فنسنت بروكس وصورة وزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف. صورتان في غاية التناقض والتصادم.. هو صدام الحضارات بالفعل لا بالقول. وطريقتان للتعامل مع الازمة تختلفان بشكل صارخ. فالجنرال بروكس المنحدر من اصول افريقية اندمجت تماماً في المجتمع الاميركي وعانت من مظاهر العنصرية والتمييز واصبحت احد مركّبات المجتمع الاميركي متعدد الاعراف والثقافات.. وهو متحدث رسمي عسكري يمثل اقوى قوة عاتية في الارض تمتلك المال والسلاح والتكنولوجيا والاستخبارات وشراء الضمائر وتزوير الاعلام وتمتلك مخططات استراتيجية بعيدة تطبخها مراكز بحوث جامعية تعمل لحساب الادارة الاميركية. ظهر الجنرال بروكس امام الرأي العام العالمي كأنه يمثل الجانب المهزوم لا الجانب المنتصر وكأنه يدافع عن قضايا انسانية وليس هو بالغازي لدولة مستقلة.. فقد كان خطابه موجزاً مركزاً على الحدث معلناً تلك الشعارات المبدئية الاميركية ليسوغ العمل العسكري ويجعل الرأي العام العالمي ينسى الاطفال الضحايا والابرياء وتدمير البنية التحتية واعادة صياغة مستقبل العرب جميعاً. وفي المقابل يأتي التعامل العراقي.. الصدّامي مع الازمة عن طريق صورة وزير الاعلام محمد سعيد الصحاف فيطبع في الاذهان صورة المنتصر والواثق والشاتم، في حين ان اختلال الموازين في القوى والكفاءات والتعبئة والمناخ العسكري والنفسي هو اختلال فظيع وعجيب اكدته النتائج المعروفة وهي نتائج لعلها ظرفية ومؤقتة ستأتي الايام القادمة لا شك بما يجعل العالم يعيد حساباته. اننا ظللنا نحن العرب ابناء ونتاج الثورة الزراعية بمنطق النشامى والفروسية وقد فاتنا ان الانسانية بلغت مرحلة الثورة المعلوماتية بعد الثورة الصناعية والثورة والتكنولوجية.. ان كل ثورة من هذه الثورات العالمية تفرز انظمة اقتصادية واجتماعية وثقافية جديدة بل وتعلي على العالم تحولات سياسية ضرورية. ونحن نعيش اليوم في عالم معولم تضبطه شبكات اتصال قوية كما هو الحال في المبادلات التجارية والاعلامية التي اصبحت معولمة بالضرورة.. البقاء فيها للأقوى اي للمنتج والذي يصنع ويبتكر.. لا للأضعف المستهلك والتابع بالضرورة والمحتاج الى ما تصنعه الامم الاخرى من علبة الدواء الى جهاز السكانر ومن القلم الى الطائرة ومن الدراجة الى السيارة. ولذلك لا تتورع الادارة الاميركية عن تصدير برامج تعليم واقراص ليزر والياف بصرية واشرطة سينمائية وفيديو، كما لم تتورع عن الخروج في سابقة خطيرة على الشرعية الدولية واسقطت منظمة الامم المتحدة في اسوأ مأزق تاريخي.. وهو ما يمكن ان يشجع صقور الادارة الاميركية على مواصلة الهجوم حتى بلا حرب ضد دول عربية واسلامية سبق نعتها بأنها دول مارقة وهي على قائمة الانتظار المخيف مادامت الدبابات والصواريخ الاميركية تحتل العراق وهي على حدود اغلب الدول العربية والاسلامية. فليعتبر اولو الالباب. ـ استاذ اعلام ـ جامعة قطر