الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 ما إن هدأت المدافع على الجبهة العراقية حتى بدأت المعركة السياسية بين دمشق وواشنطن، وهي معركة لها باطن وظاهر، يغلفها سوء الفهم وسوء الظن ، اما ظاهرها فهو الاتهامات الاميركية لسوريا بانها تأوي بعض رجال النظام العراقي السابق، وايضا تحتفظ باسلحة (دمار شامل) والاخيرة عبارة معبأة ، وحالة تثير الإنذار في العقل الغربي، اما الباطن فيبدو انه اعمق من ذلك واكثر تشعبا يشير إلى موضوعات مثل (حزب الله) في لبنان، والموقف من (السلام) في الشرق الاوسط، بما فيه المنظمات الفلسطينية الرافضة في دمشق، ويتخلل الملفات الملف السوري في لبنان والدمقرطة. ردة الفعل السورية في بعض جوانبها لا تبدو متناسقة، وربما سببها كما قال فاروق الشرع وزير الخارجية السوريه في احد تصريحاته ما معناه( ان الولايات المتحدة لا تعرف ماذا تريد من سوريا). بناء على ذلك فقد تشتت الجهد السوري من تاكيد على ان هناك طلاقا تاريخيا بائنا بين النظام السوري والنظام العراقي السابق، وبالتذكير على معارضة سوريا لتصرفات النظام العراقي الطائشة، من العدوان على إيران إلى احتلال الكويت، إلى القول بان الموقف الاميركي الحالي هو (مدفوع) بمصالح إسرائيلية، ثم العطف على (الوقوف مع الشعب العراقي). ردة الفعل تلك قد حدثت بناء على قراءة غير دقيقة للاحداث الجارية وتفاعلاتها على الساحة العراقية وما حولها. اشارات متعددة في المشهد العام اكثر من إشارة قد يجري تلخيصها في النقاط الست التالية. اولا: ان سوريا قد وافقت على قرار مجلس الامن، وهي الدولة العضو فيه في هذه المرحلة، والمرقم ب1441، وعلى اساسه لا غيره، اتخذت الخطوات اللاحقة التي قادت إلى إعلان الإنذار الاميركي ضد النظام العراقي السابق، ثم شن الحرب، وهو قرار رغم كل الخلاف حوله، قد اعطى الضوء الاخضر ولو من بعيد لما تم بعده، إلا ان سوريا رغم موافقتها على القرار راهنت على موقفين، دولي وعربي، لكبح التوجه إلى الحرب، ونشطت في ذلك دوليا وعربيا، اما الموقف الدولي فالولايات المتحدة، هي وتحالف (الراغبين) كانت كفيلة به، بسبب تعقد وتداخل المصالح المشتركة بينها وبين حلفائها، واما الموقف العربي فقد حملت سوريا كل الجهد فيه متجاهلة ان (الرغبة) الاميركية العارمة في التخلص من نظام صدام حسين، تتخطي (القدرة العربية) لوقف هذه الرغبة، ولم تتذكر سوريا رغم حصافة بعض سياستها ان (القرارات) العربية هي قرارات( لفظية) اكثر منها واقعية، سواء في اجتماعات وزراء الخارجية العرب او قمة شرم الشيخ العربية، وقد جاءت معظم هذه القرارات كما يتمنى الشارع العربي رغبة (برفض الاعتداء على العراق) إلى آخر النصوص التي تحتفظ بها امانة جامعة الدول العربية في اضابيرها، وكان واضحا ان تلك النصوص هي من قبيل (سد الذرائع) والمراهنة على (ابواب تراجع) تظل مفتوحة إن لزم الامر، وليست مبنية لا عن قناعه ثابتة، ولا عن حساب مصالح طويلة الامد، لانها لم تكن قادرة على الوقوف امام (قرار اميركي) اتخذ بالفعل،ففي القلوب خلاف ما على الورق! بناء على ما تقدم فان راسم السياسة السوري اليوم يتجنب الصواب في الاعتماد على (موقف عربي) من امثال (شجب العدوان على سوريا) والعظة هي ان يتدبر الامر مع الرغبة الاميركية في نقاش وحل المشكلات العالقة، وهي مشكلات لا تصل إلى حدة وعمق المشكلات التي كانت عالقة بين الولايات المتحدة ونظام صدام حسين، فان لم تتقدم سوريا (العاقلة) لحل المشكلات بيدها، فلن تستطيع القرارات العربية مهما تصلبت ان تقدم لها معونة تذكر، بل ربما يدفعها البعض إلى التصلب كي تصبح وظهرها إلى حائط غير مسنود. ثانيا: ان تقرا سوريا المشكلات الحالية كما هي لا كما يجب ان تتخيل، فاولا الحديث عن (جماعة متشددة) في الإدارة الاميركية هو حديث مبالغ فيه إلى حد التضليل،وهو حديث لتطمين النفس، اكثر مما هو فهم الواقع، فاتخاذ القرار في هذه الدول ليس شخصياً، ولا بناء على رغبات او مصالح القلة، وعلينا ان نتذكر ان مجلس النواب ومجلس الشيوخ الاميركي (الكونجرس) لا يمثل (قلة متعصبة) وقد اتخذ ووافق على كل القرارات المطروحة تجاه ما يحدث في شرقنا المنكوب بعدم الفهم لميكانيكية اتخاذ القرار هناك، ويبدو ان المطلوب من سوريا في هذه المرحلة الا تنشط لعرقلة الخطط المتوخي تنفيذها في العراق، عن طريق إما (استضافة) بعض عناصر النظام العراقي السابق، وقد تنشط هذه العناصر في وقت لاحق بشكل مضاد لما هو قائم في بغداد، او تشجيع التدخل في التربة السياسية العراقية من قبل إيران في الشرق، فذلك وصفه حقيقية لإفشال مشروع صممت عليه الولايات المتحدة، واستثمرت فيه اموالا ودماء، ورفضت من اجله حتى نصائح بعض حلفائها التقليديين( فرنسا والمانيا) على وجه التحديد، كما ان هذا النشاط قد يعرض المنطقة إلى اخطار غير محسوبة. قلع المسامير ثالثا: من الخطأ في نفس الوقت اعتبار ان هناك تماثلاً مطلقاً بين النظام السابق في بغداد والنظام في دمشق، فسوريا تختلف من منظور مجموعه من العناصر عن النظام الذي فرضه صدام حسين في بغداد، ولكنها ليست ايضا (امرأة قيصر) خالية من القصور. وقد راهنت قيادات غربية على وجود الرئيس بشار الاسد بصفاته الايجابية الكثيرة، واستبشرت اوساط عربية وسوريه مستنيرة على تغييرات تصاحب العصر وانفتاح متسارع يؤكد الجوامع ويحترم الفروق، إلا ان هذا الانفتاح قد عوق، ويعرف اهل البيت انه عوق ليس برغبة الرئيس الشاب ولكن بسبب قبضة (الحرس القديم)، وانقل هنا فقرة نشرتها السيدة بثينة شعبان الوجه النشط في السياسة السورية الجديدة ،وقد نشرت المقال في الشرق الاوسط يوم الجمعة الفائت تقول فيه (( تضطر الامم في مفاصل كثيرة من التاريخ إلى اتخاذ قرارات مؤلمه، وقد تكون اول القرارات بالنسبة للشعب العربي ينطق بتاسيس انظمة ديمقراطية حديثه تعبر فعلا عن الإرادة الشعبية وتستثمر خيرات البلاد للمصلحة العامة وتصون الإرث الثقافي والحضاري وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار))، وهي دعوة عقلانية للنظر إلى الداخل تاتي ربما متأخرة قليلا عن وقتها. رابعا:من بيده المطرقة لا يرى إلا المسمار، كما يقول المثل، فالولايات المتحدة الاميركية والغرب توصلا إلى قناعة ان امنهما في المدى البعيد نابع من إصلاح الوضع في الشرق الاوسط ،وقد نبه كاتب هذه السطور مبكرا لهذا التوجه فقد نشر في جريدة النهار البيروتية في اليوم العاشر من الشهر العاشر سنة2001 اي بعد اسابيع قليلة من احداث 11 سبتمبر ما نصه (ان الدكتاتورية والشمولية هما المرادفان للإرهاب وسينادي المتضررون منه بمحاربة الانظمة السياسية التي تنتهج الدكتاتورية اسلوبا للحكم، فالواضح ان الدول التي تتولى قيادة العالم ستضع شروطا صارمة من اجل ضمان الاستقرار في العلاقات الدولية، من هذه الشروط ان تكون الحكومات قادرة على تقديم الخير لشعوبها، وصون كرامة مواطنيها، خصوصا بعد ما ظنت الدول الكبرى لفترة (خطأ) ان تجاهلها للمشكلات الساخنة البعيدة عنها جغرافيا، يوفر عليها الكثير من المخاسر والمخاطر)، وما قدم هذا التوجه كتحليل، إلا انه اصبح اليوم في صلب سياسة الدول الغربية ، حيث إن الحكم الراشد يقلل من فرص عدم الرضى، والعكس صحيح فالغضب من الممارسات السائدة ذات الجرس العالي من حرمان لحقوق، وفساد في الممارسة يقود إلى الإحباط، والإحباط يقود بدوره إلى الإرهاب. وكلما نًفست المشكلات في داخل وطنها، ووجدت لها حلول عقلانية، قلت مخاطر تعرض الامن العربي والدولي للمخاطر، لذا فان الوقت ليس وقتا ليلوذ بعضنا بالنصوص في القانون الدولي على اهميته، بل وقت اتخاذ القرارات. خامسا: إن امراض النظام العراقي السابق قد ظهرت إلى السطح عفنه ومليئة بتكديس الثروات وحرمان من الخبز والحرية للعراقيين، وهي امراض مشتركة تختلف نسبتها بين ظهرانينا، واعود إلى بثينة شعبان من جديد لتقول( لقد برهن النظام السياسي في العراق قبل واثناء وبعد الازمة ان محور اهتمامه لم يتجاوز حفنة من الاشخاص، وبضع موضوعات شخصية ،مما سبب غربة حقيقية بين مصالح وآراء غالبية افراد الشعب والمجموعة الحاكمة) وهو تشخيص لا ابلغ منه، ولا اكثر حملا لرسائل المطالبة بالإصلاح من اجل توسيع قاعدة المشاركة. سادسا: مرة اخرى سوريا ليست العراق، والغيرية لا تقتصر على بضعة عناصر، ولكن تتشعب إلى عناصر عديدة، إلا ان (معالجة) الازمة العالقة تحتاج إلى رؤية واستفادة قصوى مما حدث، ووضع الملفات كلها تحت الدراسة المتأنية، واتخاذ خطوات شجاعة (وصفتها السيدة بثينة بانها مؤلمة!) للخروج من المازق باقل الخسائر واكثر الارباح للشعب السوري، والمنطقة العربية، ولن يتأتى ذلك إلا على يد السوريين انفسهم، عندما يقررون قلع المسامير. ـ كاتب كويتي