الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 خلال سنوات الحصار المريرة التي أطبقت على الشعب العراقي، فضاعفت انتكاساته ومآسيه، ظهرت أكثر من مقولة وأكثر من شعار، كان الهدف منها تغليف سياسات معينة واعطاءها شكلاً مقبولاً، ولعل شعار النفط مقابل الغذاء أحد أشهر تلك المقولات التي لن ينساها العراقيون والعالم أجمع. لقد ارتهن نفط العراق مقابل توفير الغذاء والأدوية الضرورية، وكانت فواتير البيع والشراء تتم عن طريق الأمم المتحدة عبر دهاليز البنوك الغربية، بمعنى ان العراق كان منذ أكثر من 12 عاماً تحت الوصاية الأممية ظاهرياً، وتحت المطرقة الأميركية حقيقة، وقد فقد العراق كثيراً خلال سنوات الوصاية، ودفع الفواتير مضاعفة، سواء فواتير الحكم الديكتاتوري لصدام حسين، أو فواتير الوصاية الأميركية الاستعمارية. اليوم وبعد التخلص من النظام السابق من خلال حرب لا يختلف اثنان في العالم على عدم شرعيتها وقانونيتها، كما لا يختلفان على مدى ظلمها وبشاعتها التي طالت أبرياء العراق، اليوم يجلس العسكري الأشهر في العالم تومي فرانكس كجنرال متوج على عرش العراق وفي قصر صدام الرئاسي في بغداد ليهاتف رئيسه في واشنطن ساخراً من كمية البذخ التي لم يعتدها ليطلق شعاره: النفط مقابل القصر، في اشارة إلى الرئيس السابق ومساومته على نفط العراق وحياة العراقيين في مقابل الحفاظ على منصبه وقصوره. الأميركيون لا يختلفون عن صدام، فالشعار البديل اليوم سيكون النفط مقابل الاعتراف باسرائيل، والنفط مقابل الانسحاب، والنفط مقابل الديمقراطية، والنفط مقابل الفيدرالية، ومقابل حقوق المرأة، ومقابل حقوق الأكراد، ومقابل علمانية الدولة، حتى وصل الأمر إلى أن رفع بعضهم شعار النفط مقابل الكوكاكولا! بدا واضحاً ان العراقيين برغم معاناتهم وعذاباتهم وقهرهم، وبرغم كمية الضوء المفاجيء الذي ملأ العراق السادر في الظلمة والظلم عقوداً، برغم ذلك فإن العراقيين المغروسين في العروبة والاصالة والشهامة قد استوعبوا شلالات النور سريعاً، وتماسكوا سريعاً، وقفزوا فوق متاهة الفراغ السياسي والأمني ومرأى جنود الاحتلال الأميركان، وبدأوا يقفون بشموخ وصلابة نخيل العراق ليقولوا لا لكل ما يتعارض مع ثوابت العراقيين وأولها دينهم وقوميتهم وانتماؤهم العربي وبعدهم الحضاري. تماسك العراقيين، وخروجهم من مأزق الفراغ السياسي المفاجيء، وبهذا الشكل الزلزالي الذي حدث، يؤكد تضج العراقيين ويؤكد حذرهم وفهمهم لما يدبر لهم، فهو سلالة تاريخ سياسي عريض من الاحتلالات والديكتاتوريات والثورات، فلا يخرج العراقي من الفراغ، ولا يتحرك العراقيون على رمال متحركة، انهم قادمون من تاريخ معمد بالدم والكرامة والنضج السياسي والعمق الحضاري، وعليه فلا خوف عليهم من الحاصل عندهم هناك، ان طفلاً عراقياً لا يتجاوز الثانية عشرة ربما لم يتوان أن يصرخ أمام الكاميرات مطالباً بطرد أحد الشخصيات العسكرية العراقية الموالية للأميركان، لأنه كما قال ان العراقيين لم يجوعوا ولم يمت الأطفال ولم تبك النساء، ولم يقتل الرجال طوال عهد صدام ليأتيهم هذا (البعثي) ويتحكم بهم، كناية منه بأن الذين يفرضون أنفسهم على الشعب العراقي لن يكونوا سوى صور أخرى لصدام ورجاله. في العراق رجال نثق بهم، ويثق بهم العراق والعراقيون، وفي العراق نساء وأطفال يعرفون تماماً كيف يعالجون أمرهم، وسيعرفون كيف يديرون أنفسهم بلا وصاية، فشعب يمتد عمقه سبعين قرناً في الزمن يكون من المضحك المبكي أن نمارس عليه وصاية شعوب بلا حضارة وبلا عمق، وقد تكون كل حضارتهم دبابات وقنابل وتكنولوجيا وكوكاكولا وهامبورغر!! نفط العراق لن يكون مقابل الكوكاكولا، بل يجب أن يكون لإعمار العراق، ولتعويض العراقيين عن كل سنوات الحرمان والتخلف والظلم، نفط العراق حق للعراق فقط، أما من له فضل على العراق وأهله فالعراقيون وحدهم من يحدد ذلك. Aishasultan@hotmail.com