الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 أراد الجد أن يسعد الأحفاد فآثر أن يحكي لهم حكاية بل أن يقص على مسامعهم الغضة حكايات وحكايات. هذا بالضبط ما أقدم عليه الدكتور إمام عبدالفتاح إمام أستاذ الفلسفة بالجامعات المصرية والعربية حيث قرر أن يترجم «حكايات أيسوب» وأن يهديها منذ الصفحة الأولى الى أحفاده: نهال ويارة ومحمود وأحمد ومصطفى وميّار وعمر ونادين وزينة.. مضيفا في الإهداء أن الجد ترجم هذه الحكايات من أجلهم.. لعلهم ـ كما قال ـ يستفيدون من مغزاها الأخلاقي. هكذا اختار الجد «إمام» أن يصحب «أيسوب» وحكاياته خلال إقامة دامت فترة من الزمن ـ لا ندري مداها ـ في أكسفورد أنجز فيها الترجمة ثم مهّد لها بمقدمة علمية ضافية تليق بالجد.. الأكاديمي أصلا حتى استوى الكتاب الدقيق الذي أصبح بين أيدينا.. عملا يهم الكبار الذين يعنيهم ولاشك الاطلاع على سيرة صاحب الحكايات.. أصله.. وفصله كما يقولون.. بقدر ما يستهوي الصغار الذين يشغفون ولاشك بالقصص ، والخرافات المروية على لسان الحيوان.. والجماد وكل العناصر التي تتألف منها معجزة هذا الكون الفسيح.. دع عنك بضع عبارات.. تنقص وقد تزيد تحكي بدورها عن «المغزى الأخلاقي» لتلك القصص والحكايات. ولأن فن القصّ بحد ذاته إبداع رائع من مبتكرات الخيال البشري.. ولأن في داخل كل منا ـ مهما بلغت سنوات عمره ـ طفلا أو فلنقل روحا طفولية يتأثر وجدانه بالحكاية والحدوتة كما تسميها عامية مصر المحكية وهي، بداهة، الأحدوثة من مادة الحَدَثْ وكم هدهدتنا حكايات ـ حواديت الجدات ونحن صغار وحملتنا على أجنحة خيال الى عوالم الطير والجن والشاطر حسن وست الحسن والجمال الى أن اسلمتنا الى غنوة سبات محلق مع أروع الأحلام.. تماما بقدر ما كان الرجال والشباب في أجيال خلت من قرون ماضية يأنسون الى بطولات أبي زيد الهلالي ودياب بن غانم والزير سالم ينشدها شعراء الربابة في مقاهي الحواضر وأسمار البوادي والأرياف وكان الجميع.. الشعراء والجدات يشكلون فيما بينهم منظومة الميديا التي تزجي فراغ الناس.. عبر اختلاف الأعمال وتباين المشارب والأذواق وتحمل لهم متعة القصّ في ذلك الزمن الساذج.. البعيد والجميل. لهذا نحمد لكوكبة الصحف العربية التي أجمعت فيما بينها على اصدار سلسلة «الكتاب للجميع» يوزع ثمارها كل شهر مع كل من الصحف المتبرعة (ومنها جريدتنا البيان العزيزة) لتقدم بذلك عملا مهما إن لم نقل وتأسيسيا بالنسبة للنسق والتكوين الثقافي اليعربي فما بالك عندما يكون هذا التأسيس المعرفي.. بالمجان! لأمر ما ظل شغفي القديم موصولا برجلين من مبدعي الأدب الكلاسيكي عند اليونان.. الأول هو هزيود (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) صاحب ملحمة «الأعمال والأيام» وهي حافلة بالحكم والمواعظ والأمثال والنصائح الموجهة خاصة الى الفلاحين ولعل ما جذبنا اليها أنها تركز الحديث عن إقرار العدل الاجتماعي ونصب موازين النصفة بين الناس. المبدع الثاني هو العم أيسوب صاحب الحكايات التي ترجمها البروفيسور إمام عبدالفتاح.. أو ايسوبوس كما ينطقونه في لغة اليونان وهو أول من اشتهر بتلك الحكايات الخرافية التي نطق فيها الطير والحيوان والنبات والبشر والرياح والشمس والكواكب والأنهار والرعود ولا تنس طبعا تلك التفاعلات ومن ثم الحوارات والمطارحات بين كل هذه الكائنات وبين منظومة أرباب التراث الاغريقي وبخاصة زيوس كبير هؤلاء المعبودين. ثم هيرميس وكان المعبود الرمز للسرعة وسعة الحيلة والتجارة وخفة الظل و.. اللصوص! عاش ايسوب في القرن السادس قبل الميلاد وكان بمثابة الجد الأعلى لهذا النوع الأدبي الذي تنتمي اليه أعمال خالدة في تاريخ الانسانية وعلى رأسها «البانكاتترا» التي ابدعتها الهند القديمة باللغة السنسكريتية وهي اللسان الأم للغات الهندو ـ أوروبية المعاصرة من الألمانية الى الانجليزية ومن اللاتينية الى الفرنسية والأسبانية والايطالية.. الخ. ثم ترجمها عبدالله بن المقفع تحت الاسم الشهير «كليلة ودمنة» في العصر العباسي الأول. ثم كان تعاطفي الخاص مع ايسوب اليوناني أنه كان عبدا مسترقا لمن اشتروه من سادة اليونان الأقدمين.. واذا كان البشر قد صادروا حريته كانسان.. فإن السماء جادت عليه ـ كما يقول التراث العربي ـ بقلب حافظ ولسان لافظ تجلى كلاهما فيما كان يصدر عن ايسوب من نظرات ورؤى وأقوال تحفل بالحكمة وتشي بالرصانة وبعد النظر ونفاذ البصيرة الى عمق الأشياء. لهذا شغفت الانسانية ـ عبر عصور شتى ـ بحكايات أيسوب الحكيمة التي استنطق في طياتها كل المخلوقات على سواء.. وتجسد هذا الشغف الموصول سواء بالنسج على منوال الحكاء اليوناني القديم كما فعلوا في حكايات الثعلب «رينار» في تراث فرنسا خلال العصور الوسطى أو كما فعل العبقري الألماني «جوتة» في حين صاغ ملحمة شعرية ساخرة عن الثعلب المذكور أعلاه.. أو كما فعل شاعران من أعلام شعراء الانجليز هما «أدموند سبنسر» وكان معاصرا لويليام شكسبير و«جون درايدن» المتوفى عام 1700 للميلاد في أعمال شعرية باذخة محكية على لسان الحيوان. بيد أن المبدع الذي توقف عنده العرب المحدثون مليا في هذا الباب هو الشاعر الفرنسي جان دي لافونتين (ت1695) الذي اشتهرت حكاياته ـ بالأدق ـ «خرافاته» التي استغرق نشرها نحوا من خمس وعشرين سنة وقد زاد على حكاية المغزى الأخلاقي القديم إضافات تنضح بالسخرية من المنافقين والفاسدين والمرتشين والبيروقراطيين في مجتمع فرنسا الذي عاصره لافونتين وربما في مجتمع البشر بشكل عام. لماذا لافونتين بالذات؟.. لأنه وجد ـ لحسن حظه ـ من عطف على ترجمته وتقريبه من الوجدان العربي المعاصر.. ها نحن نزجي التحية عبر الأجيال الى أستاذ كبير هو محمد عثمان جلال بك المولود في صعيد مصر الأوسط عام 1829 وقد تعلم في مدرسة الألسن التي أنشأها المعلم الكبير رفاعة الطهطاوي واشتغل بالتأليف والترجمة والقضاء.. وهو الذي ترجم خرافات لافونتين بعنوان «العيون اليواقظ في الحكم والمواعظ» وكان ذلك في تسعينيات القرن التاسع عشر وعلى النهج نفسه سار أمير الشعراء أحمد شوقي.. وحين تطالع الجزء الرابع من ديوانه «الشوقيات» ستجد 53 قصيدة موجزة تحت عنوان «الحكايات» ومعظمها مترجم بدوره عن خرافات لافونتين ولكن صاغها شوقي شعرا بسيطا وجميلا ويختمها بحكاية من 8 أبيات تقول: كان ذئب يتغدى فَجَرتْ في الزوْر عظمة الزمته الصوم حتى فجعت في الروح جسمه فأتى الثعلب يبكي ويعزي فيه أمَّه قال: يا أم صديقي بي مما بك غُمة فاصبري صبرا جميلا إن صَبر الأم رحمة فأجابت: يا ابن أختي كل ما قلت حِكمة ما بي الغالي، ولكن قولهم: مات بعَظمْة ليته مثل أخيه مات محسودا بتُخْمة كتاب حكايات إيسوب خفيف على قلب الصغار والكبار في آن.. تسري سطوره في سذاجة وفطرة بريئة تتدفق هادئة مثل ماء يترقرق من ينبوع. مع ذلك.. لا يعدم القارئ أن يصادف وسط هذه البراءة عقبات وعثرات ربما لا ترجع الى مؤلف الحكايات الأغريقي ولا الى مترجمها الأستاذ العربي.. ولكنها تشعره وجه الحكايات الجميل.. والى مزيد من تفصيل في اللقاء المقبل بإذن الله.