الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 هل يأتي يوم ليس ببعيد تندم فيه الولايات المتحدة على تصفية النظام البعثي العلماني؟ عبر تاريخها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم لم يعرف عن الولايات المتحدة، مع تعاقب الادارات منذ هاري ترومان وحتى جورج بوش الابن، اتقان الحسابات السياسية الاستراتيجية في ساحة الصراعات الدولية رغم تفوقها العسكري الذي لا ينافس. فالهزيمة التاريخية التي منيت بها الولايات المتحدة في فيتنام السبعينيات مثلاً لم يكن سببها الاساسي عجزاً عسكرياً بقدر ما كان خطأ في التقدير السياسي. والآن وقد انتهت حرب اميركية شاملة في العراق ادت الى تدمير نظام الرئيس صدام حسين، فإن ادارة بوش قد تكتشف الآن ـ وبعد فوات الاوان ـ انها ارتكبت خطأ استراتيجيا بالحسابات السياسية. الحديث ليس عن الفراغ السلطوي على المستوى الاعلى الذي نشأ بسبب انهيار النظام البعثي دون ان تكون هناك قوة سياسية اخرى لتسلم زمام السلطة بصورة فورية وسلسة.. وانما عن الفراغ السياسي على المستوى الشعبي. الآن يندفع الاسلاميون المعادون لكل ما هو اميركي بأضعاف ما كان عليه نظام صدام ليملأوا هذا الفراغ على الصعيد الشعبي، هذا ما يوحي به ما جرى في حي الاعظمية في بغداد يوم الجمعة الفائت. «لا لبوش. لا لصدام. نعم للاسلام».. هذا هو الشعار الرئيسي ذو المغزى السياسي الكبير الذي رفعه نحو عشرة آلاف من المتظاهرين عقب صلاة الجمعة. كانت اول صلاة جمعة منذ سقوط بغداد في ايدي القوات الاميركية الغازية. واذا كان يوم الاربعاء التاسع من ابريل 2003 سيدخل التاريخ العربي كبداية للاستعمار الاميركي للعراق، فإن يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر نفسه قد يدخل التاريخ كأول خطوة استهلالية في مرحلة المقاومة الشعبية. ما جرى لا يمكن بحال من الاحوال ان يعتبر انفلاتاً عفوياً فالشواهد التي توافرت تدل على ان كل عناصر المشهد كانت وليدة تدبير مسبق وتنظيم واعٍ متقدم. خطبة الجمعة كانت بمثابة رفع الستار.. فقد كانت مخصصة بالكامل للهجوم على القوات الاحتلالية الاميركية ودعوة الشعب العراقي الى مقاومتها وحملها على مغادرة الاراضي العراقية وقال الخطيب احمد الكبيسي ان الولايات المتحدة غزت العراق لصالح اسرائيل. ودعا الشعب العراقي الى الاعتماد على نفسه في شن المقاومة بعد «سقوط الامم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي». وترددت اصداء الخطبة في الشارع عقب الصلاة عندما خرج المصلون يطالبون في شعاراتهم، ليس فقط برحيل القوات الاميركية وانما ايضا بقيام دولة اسلامية، وكان ملفتاً ان آلافا من المشاركين كانوا يحملون مصاحف. لم يكن المصلون في مسجد ابي حنيفة النعمان الذين امهم الشيخ الكبيسي وحدهم المشاركين في المظاهرة، فقد تدافعت جموع اخرى في عدد من مساجد بغداد نحو حي الاعظمية ـ نقطة الالتقاء المتفق عليها سلفاً فيما يبدو. واذا كان هذا تدبيراً منظماً فمن هي الجهة المنظمة؟ هنا كانت مفاجأة لم تكن واردة في حسابات الولايات المتحدة، فالجهة المنظمة تجسد توحداً بين المواطنين الشيعة والمواطنين السنة ويطلق عليها «الحركة العراقية الوطنية المتحدة». لقد خرج العراقيون كشعب مسلم لاعلان مقاومة ضد قوة احتلالية اجنبية غير مسلمة، بغض النظر عن الانتماء الطائفي. وما جرى في بغداد تزامن معه حدث مماثل في مدينة كربلاء. فقد دعا امام صلاة الجمعة في مسجد الامام الحسين هناك الى «وضع نهاية للاحتلال الاميركي»، وقال: «نرفض هذ الاحتلال الاجنبي.. انها امبريالية جديدة لا نريدها.. ولسنا بحاجة الى الاميركيين»، وقال ان الاميركيين موجودون في العراق من اجل السيطرة على نفطنا. وندد الامام باولئك «الساسة الذين يعودون الى العراق مدعومين من قبل الاميركيين والانجليز.. واذا ما توفرت لديهم الفرصة لا يقومون سوى باطاعة الاوامر الاميركية». هذا التسخين السياسي المتصاعد يتجه صوب ذروة تتبلور خلال هذا الاسبوع عندما تظهر في كربلاء اكبر تظاهرة سياسية في التاريخ العراقي يقدر عدد المشاركين فيها بالملايين. ونستخلص المغزى الكبير وراء هذه التظاهرة من تصريح صادر عن باقر الحكيم رئيس التنظيم المعارض الذي يطلق عليه «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق»، يدعو فيه التجمع المرتقب الى دعم «اقامة نظام سياسي يضمن الحرية والاستقلال والعدالة لجميع العراقيين تحت راية الاسلام». ومما لاشك فيه ان رجال ادارة بوش يرقبون هذا التطور الخطير بقلق لا مزيد عليه وربما يتساءلون عما اذا كانوا قد تعجلوا الاطاحة بنظام صدام.. فقد كان على الاقل نظاماً علماني التوجه!