الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 لم توفر إسرائيل الوقت، فها هي بعد الاحتلال الاميركي ـ البريطاني للعراق تعمل على استغلال «نافذة الفرص»، التي فتحها هذا التطور الدراماتيكي الكبير في الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، لتوجيه دفة السياسة الاميركية باتجاهات أخرى بعيدا عن قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وتحاول إسرائيل في هذه المرحلة التأثير على السياسة الاميركية من عدة زوايا، أهمها: أولا، ضرورة استكمال ما بدأته اميركا في العراق ليشمل سوريا وإيران وربما السعودية ومصر لاحقا، ومن الواضح أن التركيز الآن هو على سوريا. فبعد احتلال العراق بات المشرق العربي مكشوفا لإسرائيل، وسوريا لوحدها هي التي تشكل فيه تحديا لإسرائيل وهي التي تبدي ممانعة للسياسات الاميركية. ثانيا، التأكيد على فكرة أن عدم الاستقرار في المنطقة لا ينبع من وجود إسرائيل وعدوانها واحتلالاتها وإنما ينبع من طبيعة الأنظمة العربية ذاتها، ومن علاقات هذه الأنظمة مع شعوبها ومع دول الجوار! ما يعني أن سبب تعثر عملية التسوية ليس له علاقة بسياسات إسرائيل ومواقفها المتعنتة وإنما هو مرتبط بالأنظمة السائدة التي تتغذّى من هذا الصراع لتعزيز شعبيتها والهاء جماهيرها! ثالثا، تعزيز دور إسرائيل في السياسة الاميركية باعتبارها الحليف الموثوق الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة فهي الدولة الوحيدة التي وقفت مع الإدارة الاميركية في حملتها ضد العراق بين سائر حلفائها في المنطقة، ومن ضمنهم طبعا تركيا التي مانعت في تقديم التسهيلات لهذه الحملة. قراءة اسرائيلية ومن الواضح أن إسرائيل في كل ذلك تحاول تأجيل خطة «خريطة الطريق»، فهذا ليس وقتها بالنسبة للإسرائيليين، لأن المطلوب أولا إخضاع الفلسطينيين وبنفس الوقت نزع التهديد الذي تمثله سوريا في هذه المرحلة، والشروع في بناء الشرق الأوسط الجديد الخاضع تماما للاملاءات الاميركية والإسرائيلية. وترتكز إسرائيل في محاولاتها وضع تصوراتها، المتعلقة بعملية التسوية وبالترتيبات الإقليمية، في قلب التصورات والخطط الاميركية المعدة لهذين الغرضين على علاقاتها المتميزة بالولايات المتحدة وانتمائها إلى معسكر«المنتصرين» في الحرب، واستغلالها وجود تيار «المحافظين الجدد» في الإدارة الاميركية وهو التيار الذي يبدو أكثر تطرفا، حتى من الإسرائيليين الليكوديين، فيما يتعلق بشئون المنطقة العربية. وما ينبغي تأكيده هنا هو أن السياسة الإسرائيلية في تعاملها مع تطورات الأوضاع ومحاولاتها رسم السياسات المستقبلية لا تنطلق من فراغ ولا من توهمات «كحال السياسة العربية للأسف»، وإنما تنطلق من قراءة واعية لطبيعة التوجهات التي تحكم المتنفذين في الإدارة الاميركية ومن دراسة العوامل المؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية الاميركية ومن الأوراق التي تملكها في الساحة السياسية الاميركية، وهي في كل ذلك تشتغل بدأب على وضع مصالحها وتصوراتها في قلب الخطط الاميركية وليس بعيدا عنها، على رغم التفاوتات والخلافات الظاهرة. الآن، وبعد ما جرى في العراق، من الواضح أن ثمة تقاطعاً ما بين السياسة الاميركية والسياسة الإسرائيلية فيما يتعلق بسوريا، وهذا ما ينبغي لفت انتباه المعنيين إليه جيدا، وهذا التقاطع يتمثل، بتحجيم دور سوريا الإقليمي في عدة مجالات، أهمها: 1 ـ الحؤول دون أي دور سوري في الترتيبات السياسية المتعلقة بالعراق سواء تعلق بدعم أطراف معينة، أو تعلق باحتضان أي شكل من أشكال المقاومة العراقية المستقبلية للترتيبات الاميركية في العراق، بما يسمى «لبننة العراق». 2 ـ وقف تدخل سوريا في الملف الفلسطيني سواء من خلال دعمها للفصائل المعارضة أو من خلال معارضة عملية التسوية على الجبهة الفلسطينية. 3 ـ تقييد علاقات سوريا بإيران ووضع حد لحزب الله، لإفساح المجال أمام بعض الترتيبات في لبنان التي تخدم المصالح الاميركية وعدم التوتير على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية. 4 ـ الضغط على سوريا من أجل الانخراط أو على الأقل من أجل عدم ممانعة الترتيبات الاميركية في الشرق الأوسط التي من ضمنها إقامة محور يضم: إسرائيل وتركيا والأردن والعراق «حلف بغداد جديد». الاستجابة الاميركية ويمكن التأكيد على هذا التقاطع في التصورات الاميركية ـ الإسرائيلية، إزاء المنطقة وإزاء سوريا، في التصريحات والوثائق الاميركية، فهذا مثلا جيمس وولسي «المدير السابق لوكالة الاستخبارات الاميركية» نشر مقالا، يوم 14/4، يطالب فيه بتوسيع رقعة التغيير في المنطقة، بقوله: «الآن وقد تواجدت القوات الأميركية في بغداد..الرهان هو توسيع رقعة الديمقراطية إلى أطراف العالم العربي والإسلامي، التي تهدد الحضارة الليبرالية التي عملنا على بنائها والدفاع عنها طوال القرن العشرين..وباستثناء إسرائيل وتركيا لا يوجد أساساً في الشرق الأوسط أي ديموقراطية..من الواضح أن الحرب الإرهابية لن تختفي طالما لم نغير وجه الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي بدأنا تماماً فعله في العراق.. للمرة الرابعة في مئة عام، فتحت أميركا عينيها. لقد انطلق هذا البلد. لم نختر هذا الصراع - فاشيو حزب البعث والإسلاميون الشيعة والإسلاميون السنة هم من قاموا بهذا الاختيار لكننا دخلنا فيه»! ويؤكد ريتشارد بيرل عضو مجلس سياسات الدفاع في «البنتاغون»، في محاضرة نظمها معهد أبحاث «أمريكان إنتربرايز» يوم 15/4 في واشنطن، بأنه لا يجب تعويض العرب على حرب العراق من خلال الإسراع في تطبيق عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية، على خلاف الشعور الاميركي السائد بأنه ينبغي علينا فعل شيء لتعويضهم..لأن ذلك برأيه «ينتقص من نبالة ما حدث في العراق.. ويرسل رسالة سيكولوجية خاطئة». ودعا بيرل الكونغرس إلى دعم الجماعات المعارضة للنظام السوري في الخارج، واستبعاد الأمم المتحدة والدول الأوروبية التي عارضت حرب العراق من أي تأثير سياسي واقتصادي في المنطقة، ومعروف أن بيرل يدعو لتقويض الأمم المتحدة وقيام ما اسماه «تحالف الراغبين» بدلا منها. ولا شك أن هذه الرؤية تتقاطع مع سياسات حكومة شارون التي تتهرب من خريطة الطريق ولا تريد دورا أوروبيا في التسوية وفي المنطقة. وفي أواخر الشهر الماضي وأمام مؤتمر «ايباك»، وجه كولن باول، وزير الخارجية الاميركية تحذيرا لسوريا قال فيه: «سوريا الآن تواجه خيارا حاسما. يمكن أن تواصل دعمها المباشر للتنظيمات الإرهابية، ولنظام صدام حسين الذي يموت، أو أن تباشر السير على طريق مختلف ومفعم بالأمل. وعلى أي حال، فان سوريا سوف تتحمل مسئولية خياراتها، ونتائج هذه الخيارات». ويعتقد وولتر لانغ «خبير شئون منطقة الشرق الأوسط سابقا في وكالة استخبارات الدفاع الاميركية»، بأن المجموعة المسئولة عن السياسات بوزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» تعتزم استبعاد الحكومة السورية الحالية كعامل رئيسي في النزاع العربي ـ الإسرائيلي. وأكد بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الاميركي أنه «يجب أن يكون هناك تغيير في سوريا أيضاً» بعد العراق 4/9 . وأشارت كونداليزا رايس، مستشارة الرئيس بوش للأمن القومي، أن كل الخيارات مفتوحة أمام الرئيس في التعامل مع سوريا 4/16. وجدير بنا هنا التذكير بأن الرئيس بوش نفسه وفي خطابه الشهير الذي ألقاه يوم 24/6/2002 حول الشرق الأوسط، وجه فيه تحذيرا واضحا للأنظمة العربية التي تعتبر مناوئة للسياسة الاميركية وخصص من بينها سوريا، وقال بوش في خطابه: «الدول إما أن تكون معنا أو علينا في الحرب على الإرهاب.. كل زعيم ملتزم فعليا بالسلام سينهي التحريض على العنف..ويدين علنا التفجيرات القاتلة. كل دولة ملتزمة فعليا بالسلام ستوقف تدفق الأموال والمعدات وعمليات التجنيد في الجماعات الإرهابية الساعية لتدمير إسرائيل بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله..على كل دولة ملتزمة فعلا بالسلام أن تمنع شحن الإمدادات الإيرانية لهذه الجماعات وأن تعارض الأنظمة التي تشجع الإرهاب مثل العراق. ويجب على سوريا أن تأخذ جانب الحق في الحرب على الإرهاب بالقيام بإغلاق معسكرات الإرهابيين وطرد المنظمات الإرهابية. ويجدر بالزعماء الراغبين في أن تشملهم عملية السلام أن يظهروا بأفعالهم تأييدهم التام للسلام.. بناء علاقات أوثق دبلوماسيا وتجاريا مع إسرائيل بما يؤدي إلى تطبيع تام للعلاقات بين إسرائيل والعالم العربي بأسره». المعنى أن المخاطر الكبيرة مازالت محدقة بالأمة العربية وأن إسرائيل تجد في السياسات الاميركية الحالية سبيلها لفرض املاءاتها في المنطقة وهو ما ينبغي الحذر منه والعمل على أساسه. ـ كاتب فلسطيني