الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 حينما سقطت بغداد فى التاسع من إبريل عام 2003 كان الذهول يحيط بالجميع، لكني تركت الواقع وعدت إلى كتب التاريخ لأقرأ عن سقوط بغداد على يد هولاكو عام 656 للهجرة ـ 1258 للميلاد وأحاول أن أقدم قراءتين قراءة لم نعشها وقراءة عشناها لحدث واحد ولمدينة واحدة. فحينما وصل هولاكو إلى أسوار بغداد كان قد دان له كثير من أمراء المسلمين الذين مر بهم فى طريقه من بلاد التتار حتى أصبح كثير منهم مستشارين لهولاكو، وكان منهم حسام الدين الفلكي الذي نصح هولاكو بعدم التعرض للخلافة وبغداد إلا أن نصير الدين الطوسي شجع هولاكو على المضي إلى بغداد بل وانطلق يقود جانبا من الجيش لمحاصرة عاصمة الخلافة من ناحية المشرق، وكان قصر الخلافة قد امتلأ بالرافضة والباطنية مثل الوزير ابن العلقمي الذى اجتمع مع هولاكو، وكان فى نفس الوقت وزيرا لدى الخليفة المستعصم فلما استشاره الخليفة نصحه ابن العلقمي بمصانعة التتار.ولعب هذا الوزير دورا خطيرا فى دعم التتار وسهل لهم قتل العلماء والأمراء والحجاب والكبار، وقد خرج الخليفة إلى هولاكو قبل ذلك في محاولة للاستسلام دون إراقة الدماء ومعه ثلاثة آلاف من الفقهاء والعلماء والأعيان، فدخل الخليفة إلى خيمة هولاكو فطلب منه هولاكو أن يأمر أهل بغداد بإلقاء السلاح، وما إن أصدر الخليفة أمره لأهل بغداد بإلقاء السلاح حتى استباح جند هولاكو المدينة، فمارسوا القتل و السلب وارتكاب المنكرات، وأخذوا يقتلون الجميع نساء وأطفالا وشيوخا وشبابا حتى بلغ عدد من قتل خلال أربعين يوما ألف ألف أي مليون مسلم، حتى كانت الميازيب تجري بدماء الناس في الشوارع كما يقول ابن كثير فى تاريخه، ثم سير هولاكو الخليفة إلى بغداد ومعه نصير الدين الطوسى وابن العلقمي، حتى يدلوا جند هولاكو على أماكن الذهب والمجوهرات والنفائس، بعدها عاد الخليفة فقتلوه رفسا. وأصبحت بغداد بعد أربعين يوما خاوية على عروشها، لكن التتار ركزوا على تخريب القصور وإتلاف الكتب حتى أنهم ملئوا نهر دجلة بالكتب وجعلوها جسورا لخيلهم فتحولت مياه النهر إلى اللون الأسود من اختلاطها بالمداد، ولنا أن نتخيل حجم هذه الكتب التى كانت كلها من المخطوطات فى عصر من العصور الذهبية للأمة، وهذا الوضع البائس ربما هو الذى جعل ابن الأثير صاحب كتاب الكامل فى التاريخ يقول س لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، فكنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى فمن الذي يهون عليه أن يكتب نعي الاسلام والمسلمين، ومن الذى يهون عليه ذكر ذلك فياليت أمي لم تلدني، وياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا». ما حدث فى 1258 يكاد يكون شبيها بما حدث فى 2003، فلولا دعم أمراء المسلمين لهولاكو ما سقطت بغداد، ولولا دعم دول لبوش ما سقطت بغداد فى 2003، ولولا الخونة فى بلاط الخليفة وعلى رأسهم وزيره ابن العلقمي لبقيت الخلافة، ولولا الخونة فى صفوف النظام العراقى لطالت المعركة على الأقل ولم تسقط بغداد وتسلم دون قتال بثمن بخس، وبشكل مريع. وكما كانت القصور والمكتبات والنفائس هدفا لهولاكو وجنوده فنهبوها ثم دمروها وحرقوها، فقد كانت كذلك لبوش وجنوده فقد دخلوا القصور أولا فأخذوا ما فيها من نفائس وتذكارات كما أشارت كثير من التقارير ثم تركوا بعضها نهبا للغوغاء، وهي تراث شعب وثروات أمة وليست ملكا لصدام ونظامه، ثم أتلفت كل ثروة العراق التاريخية والثقافية فأحرق المتحف الوطني العراقي بعدما نهب وكذلك المكتبة الوطنية التى تضم الوثائق ومكتبة الأوقاف التى تضم نفائس المخطوطات وعشرات من مراكز العلم والثقافة والتاريخ فى البلاد. أما الثروات وعلى رأسها النفط فقد فرضت الحراسة على وزراة النفط ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها. ان تخريب بغداد وتراثها وثقافتها وقصورها ومتاحفها، ومكتباتها كان مقصودا عام 1258 وكان مقصودا كذلك في عام 2003، ومن عاد لكتب التاريخ لن يجد فارقا بين ما فعله هولاكو وما فعله بوش سوى الفارق في وسائل الحرب ومدتها، لكن الصورة تكاد تكون متطابقة فى كثير من الشواهد والمعطيات. والمقصود في الحالتين هو تدمير هوية العراق أرض الرسالات ومهد الحضارات ومفتاح المنطقة. ـ كاتب واعلامي مصري