الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 كم كان بودي لو كانت دعوتي هذه للفرح.. فما أجمل أن تدعو للفرح في زمن عزّ فيه الفرح، وطغى الحزن فيه على كل شيء! ولكن أي شيء يدعو للفرح ونحن نعيش زمناً اختفت فيه كل أسبابه ومظاهره؟! أي شيء يدعو للفرح في زمن أصبح العجز سمته؟ وأي شيء لا يدعو لغير الفرح في زمن أصبح انكسار الأحلام والآمال فيه خبز يومنا؟! إنها ليست دعوة لليأس بقدر ما هي دعوة للتأمل في حال أمة قضت أكثر من نصف قرن ترسم لنفسها أحلاماً وردية ثم صحت على تبخّر تلك الأحلام وتحطمها على صخرة زمن جديد أعادها سنوات الى الوراء، وأطاح بكل آمالها وأطفأ آخر شمعة كانت تنعم بضوئها ودفئها! كم كان بودي أن تكون دعوتي هذه للفرح.. ولكن من أين لنا أن نحلم بالفرح ونحن حتى حين نحتفل بزوال الكوابيس التي جثمت على صدورنا عقوداً طويلة من الزمن نصحو على حقيقة أن هذه الكوابيس لم تُزح بأيدينا نحن، وإنما بأيدي غيرنا؟! من أين لنا بالفرح ونحن ننتقل من كابوس من صنع أيدينا إلى كابوس آخر من صنع أيادٍ لا نعرف متى تمتد إلينا بالرغيف، ومتى ينالنا منها صاروخ أو قنبلة يقتلعان آخر ما تبقى لنا من كرامة؟! رُبَّ فكرة أذهبت سكرة.. فأي أفكار هذه التي تحوِّم في سماء ليلنا الداجي هذا لتطيّر عقولنا وتقتلعها من جذورها بعد أن انجلى غبار المعركة عن ألف سؤال وسؤال تبحث كلها عن إجابة واحدة لهزلية المشهد التي بدت في وقت من الأوقات متناهية الجد بعيدة عن اللعب؟! أي مسرحية عبثية تلك التي شاركنا جميعاً في كتابة فصولها أكثر مما كنّا مشاهدين مشدودين لأحداثها المأساوية؟ وأي مؤلف خبيث بارع ذلك الذي أجاد حبك أحداثها حتى غدت صعبة الفهم على أبطالها الحقيقيين؟ وأي حاجز ذاك الذي لم نعد نشعر به بين خشبة المسرح وكراسي المتفرجين؟ وأي تاريخ هذا الذي تكتبه المؤامرات والهزائم المحبوكة أكثر مما تخطّ سطور أحداثه البطولات الوهمية التي خدعونا بها فانخدعنا لها، وتمنينا لو طال أمد الخديعة كي لا نصحو على الحقيقة المرّة المهينة؟! كم كنا نتمنى لو أن المؤامرة كانت من طرف واحد.. إذن لأبقت لدينا الأمل في طرف ثانٍ حتى لو كان هذا الطرف على باطل.. ولكنه زمن تكتب تاريخه النفوس المهزومة قبل حلول الهزيمة أكثر مما تساعدنا على تقبل هزيمتها حتى لو كنا نتمناها.. فرُبَّ هزيمة أوقدت شمعة في نهاية النفق كي تنير درباً لنصر آت لم يكن يستحقه أولئك المهزومون قبل أن تبدأ المعركة التي قادونا إليها دون أن يستعدوا لها الاستعداد المطلوب ليجعلوا هزيمتهم مشرِّفة بقدر ما ارتكبوا من جرائم في حقنا وحق أنفسهم أودت بما تبقى من قدرة على الصمود لديهم. أي مهزلة تلك التي فُرض علينا أن نتابع أحداثها ونشارك فيها متفرجين؟ وأي فراغ أوقعتنا فيه تلك النهاية اللغز لتجعلنا نهجر كل الشاشات التي ربطنا أنفسنا إليها أياماً، ونصبّ آلاف اللعنات على تلك التحليلات التي سقتنا وهماً وأطعمتنا خبز الخديعة لنصحو على حقيقة ناقصة سوف نقضي ما تبقى لنا من سنوات العمر المسحول نبحث عن نصفها المستتر بعد أن رأينا بأم أعيننا نصفها العاري معروضاً وسط كل هذا الكمّ من الذهول الذي عطّل عقولنا وأخرس ألسنتنا وأطفأ بريق عيوننا وأوقف وجيب قلوبنا قبل أن يخرس ألسنة محللي شاشاتنا الخادعة المخدوعة؟! أي زمن هذا الذي يمسك خيوطه أعداؤنا لينسجوا لنا منه حلة تناسب ذوقهم هم قبل أن تلتقي مع أذواقنا نحن العراة الحفاة الواقفين على أبواب مؤسساتهم الإنسانية.. فليتهم يتركوننا لعرينا هائمين على وجوهنا في صحراء التيه التي قادونا إليها بدلاً من أثواب مهرجي السيرك هذه التي ينوون إلباسنا إياها لنغدو أضحوكة للأجيال القادمة.. وبدلاً من أثواب الذل التي سيخلعونها على المتخاذلين منّا مكافأة لهم على تخاذلهم.. وبدلاً من تلك الأقنعة الخادعة التي سيلبسونها عملاءهم كي لا نرى وجوههم القبيحة في زمن أصبح القبح فيه فضيلة والجمال هو الفاحشة الكبرى؟! الآن وقد كشف المشهد هشاشة تلك الأنظمة المتسلطة التي تسوم شعوبها ألوان العذاب وتطيح بآمال ومستقبل أمتها ثم تنهار وتسقط في أول مواجهة حقيقية وتتكشف عن نمور من ورق.. كيف لنا أن نبني جسور الثقة مع أنفسنا قبل أن نبنيها مع نموذج آخر من الأنظمة لا نعلم ما يخبيء لنا جرابها بعد أن لسعتنا مئات العقارب وأشبعتنا لدغاً ثعابين الأنظمة التي انكشفت أقنعتها وتبخرت كالسراب قبل أن يرتد إلينا طرفنا وعقلنا؟! كم نحن بحاجة إلى جسور الثقة هذه مع أنفسنا التي أنهكها الجري خلف أولئك الذين تاجروا بقضايانا واستنزفوا ثروات أوطاننا واستباحوا عقولنا وكرامتنا كي يبنوا لأنفسهم أمجاداً زائفة تطايرت مع أول هبة ريح اقتلعتهم من جذورهم، وكي يقيموا لأنفسهم صروحاً تهاوت مع أول هزة زلزلت أركانهم ليعودوا أثراً بعد عين، ويتواروا عن الأنظار في الوقت الذي كانت فيه كل الأنظار موجهة إليهم، وفي اللحظة التي قادونا إليها وجعلوا الجميع ينتظرها بلهفة.. وفي الزمن الأكثر سوءاً واظلاماً وقتامة. رُبَّ قائل يقول: لقد سئمنا هذه البكائيات والمراثي.. فما هو الحل؟ أقول: لو كنا نعرف الحل لما آل حالنا إلى ما آل إليه.. ولو كنا نعرف الحل لحبسنا دموعنا في مآقينا.. ولو كنا نعرف الحل لما خرجت آهاتنا زفرات من صدورنا المثخنة بالجراح.. ولو كنا نعرف الحل لما عرضنا أنفسنا على قارعة كل طريق.. ولو كنا نعرف الحل لانحلّت عقدة ألسنتنا فلم نقف على الأطلال نبكي مجداً لم يكتب له أن يرى النور.. وننعي حلماً لم يطلع عليه الفجر.. ونندب ميتاً قبرته أيادينا في زمن المهزلة الكبرى. لو كنا نعرف الحل لما جئنا بمن يخلِّصنا من الطواغيت التي عاثت بنا تنكيلاً.. ولو كنا نعرف الحل لما بحثنا عنه تحت خيامهم.. ولو كنا نعرف الحل لما استهانوا بنا وألغونا من حساباتهم.. ولو كنا نعرف الحل لما سوّدنا كل هذه الصفحات بحثاً عن الحل. سوف نغلق كل الملفات حتى إشعار آخر.. وسوف نبقي ملفاً واحداً فقط مفتوحاً ليسجل المعزّون فيه كلمات وداعهم الدامعة الحزينة.. ذلك هو ملف الكرامة النازف، حيث تم اغتيال الفرح فتأجلت دعوته، ولم نتمكن من توجيهها مع كل عبارات الاعتذار والأسف ورجاء عدم الحضور كباراً وصغاراً لأن الفرح قد أرجيء إلى أجل غير مسمى. aliobaid2000@hotmail.com