الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 حتى لحظة اندلاع العدوان الأميركي على العراق قبل نحو شهر واحد ظلت الولايات المتحدة متصلبة في احباط اي مسعى لرفع نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ عام 1991، الآن تتحول ادارة بوش بمقدار مئة وثمانين درجة لتعلن اعتزامها الطلب من مجلس الأمن الدولي بالغاء العقوبات جملة وتفصيلاً فما هو التفسير؟ التفسير يتعلق بالتغيير الذي طرأ على وضع العراق خلال ثلاثة اسابيع من الحرب، عراق ما قبل الحرب كان دولة مستقلة ذات سيادة على الموارد الوطنية، واما عراق ما بعد الحرب فهو مستعمرة تحت احتلال اجنبي فقدت كل مقومات السيادة الوطنية. لقد عارضت الولايات المتحدة رفع العقوبات عن كاهل العراق المستقل قبل الحرب لكي لا يسترد قوته الاقليمية ومكانته الدولية كأحد العناصر التي يحسب حسابها في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي فيبقى مقعداً كسيحاً بأي معيار من معايير القوة السياسية او الاقتصادية. الآن اختلف الامر مع نهاية غزو عسكري شامل نتج عنه تنصيب جنرال اميركي متقاعد ليتولى حكم العراق والتصرف في موارده الوطنية بالكامل باسم الولايات المتحدة. بايجاز صار العراق بأرضه وشعبه وثرواته مستعمرة، ومغزى التوجه الاميركي الجديد نحو المطالبة برفع العقوبات عن العراق هو اذن تمكين الولايات المتحدة قانونياً من تطبيق برنامجها الخاص لنهب الثروات الوطنية العراقية كسلطة احتلالية استعمارية باسم اعادة التعمير. لكن الامر ليس سهلا كما يبدو فسوف ينكشف زيف ورقة «أسلحة الدمار الشامل». نظام العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروض على العراق لمدى 12 عاماً حتى الآن ليس سوى جزء واحد من حزمة قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي ترتبط عضوياً ببعضها البعض.. ومن بينها القرارات الخاصة بأسلحة الدمار الشامل، ووفقاً لهذه الحزمة من القرارات الدولية يجوز الغاء نظام العقوبات الا اذا سبقه اعلان رسمي من مجلس الأمن الدولي بأن العراق صار خالياً تماماً من اي اسلحة نووية او كيماوية او جرثومية ـ اي أسلحة الدمار الشامل. كيف اذن تتصرف الدبلوماسية الاميركية ازاء هذا الوضع القانوني دون ان تتسبب في فضيحة عالمية لنفسها؟ لقد كان المبرر الاميركي الرسمي والمعلن على العالم لشن الغزو المسلح على العراق هو تجريد العراق مما «لديه» من اسلحة دمار شامل «تعمد» نظام الرئيس صدام حسين اخفاءها، كان الرئيس بوش ومساعدوه يعيدون ويكررون انهم «متأكدون» من وجود هذه الأسلحة.. واذا لم يتخلص منها النظام سلما فسوف نضطر الى شن حرب لتجريده منها بالقوة المسلحة. اذن ماذا يقول الرئيس بوش الآن وقد انتهت الحرب دون العثور على أسلحة دمار شامل في العراق؟ ان ادارة بوش ترى الآن ان المصالح الأميركية لمرحلة ما بعد الحرب تقتضي رفع العقوبات عن العراق مما يقتضي اولاً وبالضرورة القانونية اعلاناً بأن العراق صار خالياً من أسلحة الدمار الشامل. ولكن اذا اقرت ادارة بوش بأنه لا توجد اسلحة دمار شامل في الاراضي العراقية فإن السؤال الذي سيطرحه عليها الشعب الاميركي قبل ان يطرحه العالم هو: لماذا اذن كان شن الحرب؟ وماذا كانت تعني عبارة «اننا متأكدون» من ان العراق يملك اسلحة دمار شامل؟ وماذا كان يعني وزير الخارجية باول عندما دخل قاعة مجلس الأمن الدولي قبل اندلاع الحرب وفي جعبته خرائط الكترونية واشرطة فيديو «تبرهن» ان العراق يملك فعلاً هذه الأسلحة؟ من ناحية اخرى فإن من المتاح لادارة بوش ان تصر على «تأكيدها» بأن لدى العراق أسلحة دمار شامل «مخبأة» وان «البحث جار عنها».. وبعد ذلك لن يكون من العسير مواصلة الكذب الى اجل غير مسمى بأن «البحث لا يزال جارياً». لكن في هذه الحالة يتعين على ادارة بوش ان تسقط مطالبتها برفع العقوبات عن العراق فالعقوبات لن ترفع الا اذا اصدر مجلس الأمن الدولي اعلاناً بخلو العراق تماماً من أسلحة الدمار الشامل. وحتى لو مضت الولايات المتحدة في مطالبتها مجلس الأمن برفع العقوبات واصرّت على هذه المطالبة فإنها سوف تواجه مرة اخرى مسألة التفتيش ذلك ان اعلانا من مجلس الأمن بخلو العراق من أسلحة الدمار الشامل لن يصدر الا بناء على شهادة من مفتشي الأسلحة الدوليين بأنه لم يعد لدى العراق اي شيء من أسلحة الدمار الشامل ولن يستطيع مفتشو الاسلحة بدورهم من اصدار هذه الشهادة الا اذا سمح لهم باستئناف عملية التفتيش التي قطعت في منتصف الطريق بسبب الغزو الاميركي للعراق. وهكذا سوف تجد الولايات المتحدة نفسها وقد عادت الى المربع الاول للقضية العراقية على صعيد مجلس الأمن الدولي.