الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 تبدو مسألة ادارة العراق في مرحلة ما بعد نظام صدام حسين مسألة صعبة ومعقدة للغاية لا لأن العراق بلد متعدد القوى والأقليات والأعراق والمذاهب ومركزي فحسب بل لان قوى المعارضة العراقية تبدو ضعيفة وليست لديها مشروع سياسي واضح لمستقبل العراق فضلا عن اختلاف أولويات هذه القوى وحساباتها السياسية وحتى مرجعياتها، وعلاقة هذه المرجعيات بالدول الاقليمية المجاورة للعراق ولعل من شأن هذه الأمور مجتمعة تصعيب مهمة الادارة الأميركية التي احتلت قواتها العراق وسط تباين الرؤى داخل الادارة الأميركية نفسها بشأن كيفية ادارة العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين وتحديدا بين وزارة الدفاع التي قالت بادارة عسكرية أميركية للبلاد قد تبقى لفترة طويلة غير محددة وبين وزارة الخارجية التي تؤكد أهمية تشكيل ادارة انتقالية تهيئ الظروف لحكومة عراقية على أسس جديدة ومغايرة. مع كل يوم جديد من عمر الاحتلال الأميركي - البريطاني للعراق تكتشف الادارة الأميركية أهمية وضرورة التنسيق مع القوى الفعالة داخل المجتمع العراقي سواء كانت هذه القوى من قوى المعارضة السابقة أو من القوى التي لها نفوذ اجتماعي وسياسي خاصة القبائل السنية التي لها نفوذ تنظيمي وعسكري واجتماعي بين الشعب العراقي والتي مازالت تعد نفسها الأفضل من المعارضة في مسألة الحكم نظرا لتجذرها داخل البنية الاجتماعية للسياسة العراقية وعليه فان السؤال الذي يشغل الادارة الأميركية وكافة القوى العراقية ومعهم دول العالم هو كيف ستؤسس الادارة الأميركية الدولة العراقية من جديد ؟ من الواضح ان مسألة اعادة تأسيس الدولة العراقية تتطلب جهدا واسعا وكبيرا ومتواصلا من قبل الولايات المتحدة بالذات بعد ان سببت حربها تدميرا للبنية التحتية العراقية ولعل أولى المشكلات التي تواجهها واشنطن هنا هي كيفية التوفيق بين القوى العراقية المختلفة في الرؤى والأولويات والمصالح واخضاع هذه القوى لقوانين اللعبة الأميركية «ان جازت التسمية» في الوصول الى العراق المنشود أميركيا كنموذج للمنطقة وهذا معناه حسب المفهوم الأميركي ادخال مبادئ جديدة في الحياة السياسية العراقية والتخلص من أثار مرحلة النظام السابق وتحديدا تجربة البعث بكل افرازاتها الاجتماعية والعسكرية والسياسية في العراق والمنطقة. واذا كان الاجتماع الأول للمعارضة العراقية والذي جرى بالقرب من مدينة الناصرية الثلاثاء الماضي وبرعاية أميركية أوضح مجموعة من الأسس الجديدة في الحياة السياسية العراقية فان هذا الاجتماع أقر مفهوم وزارة الخارجية الأميركية في ادارة انتقالية تمهد لحكومة عراقية مقبلة على أسس جديدة وهنا من المفيد التوقف عند بعض هذه الأسس الجديدة : ـ نظام الحكم المستقبلي ينبغي ان يقوم على أساس نظام فيدرالي ديمقراطي وعلى أساس انتخابات عامة تشمل كافة انحاء البلاد. ـ حل حزب البعث وازالة اثاره في المجتمع. ـ ضرورة ان يكون الحوار مفتوحا مع جميع المجموعات السياسية الوطنية لضمها الى العملية الجارية. ـ اعادة النظر في مسألة دور الدين في الدولة والمجتمع واحترام التنوع ودور المرأة. ـ مبدأ اختيار العراقيين لقادتهم وليس ان يتم فرضهم عليهم من الخارج. قراءة بسيطة في هذه الأسس التي خرج بها الاجتماع الأول للمعارضة العراقية بعد انهيار نظام صدام حسين تتضح ان الولايات المتحدة تتجه في مسألة اعادة تأسيس الدولة العراقية الى بناء حكومة تتناغم سلوكيا وقيميا مع النموذج الأميركي المفضل وهي في مهمتها هذه قد تحتاج الى فترة طويلة فترة كافية للانتقال بالبلاد من مرحلة الهيمنة العسكرية الأميركية الى مرحلة حكومة عراقية منتخبة تقوم بوضع دستور جديد يتم بموجبه حكم البلاد وادارته وعليه فان مسألة الحديث عن تواريخ محددة لمدة بقاء القوات الأميركية والبريطانية في العراق تبدو مسألة غير مجدية طالما ان المرحلة الانتقالية هي المرحلة الأكثر صعوبة وحساسية في المعادلة السياسية الأميركية بالنسبة لعراق المستقبل والى حين رسم الملامح المحددة لمثل هذا العراق والآليات اللازمة للتوصل الى البنية السياسية العراقية المطلوبة فان الادارة الأميركية ستلجأ الى مجموعة من الأوراق الأمنية والسياسية لضم جميع اللاعبين العراقيين الى قواعد لعبتها. ـ من أجل ضم جميع القوى العراقية الى البنية السياسية الجديدة التي ستتشكل تدريجيا ستلجأ الادارة الأميركية الى ازالة مؤسسات المرحلة السابقة. بدءا من حزب البعث ومرورا بتفكيك شبكات السلطة السابقة وليس انتهاء بالمفاهيم الفكرية لبينة المجتمع العراقي وهذا الأمر في نظر الادارة الأميركية سيدفع بالقوى العراقية الى ايجاد قاعدة جديدة من أجل القيام بأدوار مهمة على الساحة السياسية والتنافس للحصول على تمثيل مشترك بدلا من السعي وراء الهيمنة على السلطة والانغلاق ضمن أطر سياسية ضيقة. ـ من أجل دفع تصورها المذكور من حيز النظرية الى حيز التطبيق فان الادارة الأميركية ستبقى في المرحلة المقبلة على خيار القوة الأمنية من أجل تحقيق أهداف مزدوجة منها قمع أي مقاومة للوجود العسكري الأميركي في العراق وخاصة من قبل بعض فصائل الشيعة أو بعض الجهات العراقية الأخرى سواء كانت هذه المقاومة من باب الدعوة الى ترحيل القوات الأجنبية عن العراق تحت شعار الاستقلال أو من باب تسجيل المواقف السياسية في زحمة التنافس والصراعات الحزبية الجارية على أرضيات مختلفة هذا من جهة ومن جهة ثانية فان الابقاء على خيار القوة الأمنية بالنسبة لواشنطن هو بمثابة صمام آمان تجاه الدول الاقليمية ولا سيما تركيا وايران وغيرها من الدول التي تعتقد واشنطن أنها قد تلجأ لعرقلة خططها في تأسيس العراق بالشكل الذي تريدها هي. وانطلاقا من الرؤية الأميركية هذه نص اجتماع الناصرية على ضرورة مبادرة جميع العراقيين على تنظيم أنفسهم والتعاون مع القوات الأميركية من أجل مهمة اعادة بناء العراق على الصعيدين المحلي والوطني أي ان الادارة الأميركية ترى ان قوى المعارضة العراقية غير مهيأة في المرحلة الحالية لتشكيل حكومة عراقية انتقالية تدير البلاد نظرا لحجم خلافاتها وتباين مصالحها وأولوياتها فضلا عن غياب نفوذها الاجتماعي وانعدام خبراتها وتأثير القوى الاقليمية عليها وعليه فانها ترى من الضروري ان تتعامل مختلف القوى العراقية مع الادارة الأميركية الانتقالية برئاسة الجنرال السابق جاي جارنر من أجل خلق أفضل الظروف لتشكيل حكومة عراقية مؤقتة تهيئ الانتقال التدريجي نحو نظام ديمقراطي برلماني تعددي حكومة عليها ان تتعايش مؤقتا مع الهيمنة العسكرية الأميركية حتى التخلص من نسق البنية الأمنية والسياسية للمرحلة السابقة وتأمن البلاد من الدخول في حرب أهلية وفوضى سياسية وتدفع بالبلاد في الوقت نفسه الى الدخول في مرحلة جديدة على أسس جديدة تنسجم المعايير الأميركية في بناء دولة عصرية. ومع ان الحديث عن دولة عراقية عصرية دفع بالبعض الى الحديث عن النموذج الياباني الذي تأسس بدعم واشراف أميركي بعد الحرب العالمية الأولى الا ان القراءة الدقيقة لواقع العراق وخريطته السياسية ولاختلاف الظروف المحلية والاقليمية تشير الى ان النموذج الأفغاني المعدل هو الأقرب بالنسبة للعراق وعليه فان اتفاق اجتماع الناصرية على عقد اجتماع أوسع يضم مختلف القوى العراقية يشير في الجوهر الى امكانية عقد مؤتمر عراقي موسع بمشاركة كافة القوى يسفر عن تعيين حامد كرزاي عراقي تدعمه الولايات المتحدة قائما دون ان يعني هذا الخيار ابعاد خيار التوصل الى تشكيل قيادة جماعية تعمل باشراف أميركي من أجل تحقيق نوع من التوازن بين قيادات المعارضة التي كانت في الخارج والقوى التي لها وزن سياسي داخل النسيج الاجتماعي العراقي فضلا عن الشخصيات العراقية التي تحظى باحترام الجانبين من أمثال وزير الخارجية السابق عدنان الباجه جي. تدرك الادارة الأميركية ان مسألة بقاء احتلالها العسكري للعراق بشكل دائم مسألة غير ممكنة في النهاية وان بقاء مثل الاحتلال سيكلفها عائدات النفط العراقي مرات مضاعفة وعليه فان أفضل المكاسب بالنسبة لهذه الادارة هي بناء دولة عراقية على أسس جديدة أسس تنسجم والنموذج الأميركي على أن يشرع هذا النموذج أبواب المنطقة امام تغييرات واسعة لصالح هذا النموذج من حيث القيمة والسلوك والتفكير على المستوى العالمي. ـ كاتب سوري