الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 عقب «نكبة 1948» انزوت الأمة كلها تلملم جراحها. كانت معظم الأرض العربية مازالت تحت الاحتلال، وكانت الأنظمة العربية التي حظيت ببعض الاستقلال في ظل القواعد الأجنبية قد تفرقت بين من أرسل جيوشه لتقاتل بلا استعداد، ومن بعث جيوشه وتآمر لهزيمتها، ومن قيد جيوشه بتعليمات تقول: ابقوا مكانكم. ماكو أوامر! انزوت الأمة مع جراحها، وتصاعد الغضب المكتوب يوما بعد يوم، وكانت النتيجة انفجار الأوضاع بعد ذلك، لتذهب كل الأنظمة التي شاركت في المأساة أدراج الرياح، وتبدأ المواجهة ضد الاحتلال وقواعده العسكرية، حتى جاء اليوم الذي تحررت فيه الأرض العربية من المحيط إلى الخليج. وعقب «نكبة1967» كان الوضع مختلفا. خرجت الجموع منذ اللحظة الأولى ترفض الهزيمة وتكلف القائد الذي تحمل بشجاعة مسئولية ماحدث أن يثأر. ومافعلته الجماهير في كل الارض العربية انعكس التزاما من الأنظمة في مؤتمر الخرطوم.. وتحمل عبدالناصر المسئولية الصعبة، وأعلن أن الوقت ليس هو وقت الحزن بل وقت العمل. وبدأت سنوات مجيدة في تاريخ مصر والعرب دفع الرجل حياته ثمنا خلالها، ولكنها أثمرت في النهاية جيش العبور العظيم الذي حقق النصر ومحا عار الهزيمة. الآن.. ومع الاحتلال الأميركي ـ البريطاني لأرض العراق، يبدو الاصرار على تحويل هزيمة النظام العراقي الى هزيمة للأمة، تمهيدا لاستكمال المخطط الأميركي الذي يعتبر حرب العراق هو البداية للسيطرة الكاملة على المنطقة واعادة تشكيلها وفقا للمصالح الأميركية. وينبغي هنا أن نتذكر أنه بعد هزيمة 67، وخلال الجهود الدبلوماسية التي سبقت حرب 1973، كانت الرسالة الاميركية واضحة:لقد هزمتم، وعليكم أن تدفعوا جميعا ثمن الهزيمة. قالها كيسنجر للسفراء العرب، وفهموا الرسالة، وأدركوا أنه لا بديل عن حرب وانتصار، وإلا انهار كل شئ. مشروع الهيمنة الأميركي ونفس الشيء حدث بعد مأساة غزو الكويت ثم تحريرها. ورغم أن تحرير الكويت ما كان ليتم إلا بالرفض العربي لاجتياح العراق للكويت.. ثم بالمشاركة العربية في حرب التحرير، فإن ماأعلنه وزيرالخارجية الأميركي لزملائه العرب وهم في الطريق إلى مؤتمر أوسلو، هو أن عليهم أن يدركوا أن ماحدث في الكويت هو «هزيمة للعرب» عليهم أن يقبلوا ترجمتها في اتفاقيات أوسلو أو في غيرها. الآن.. يراد للعرب جميعا أن يدخلوا في النفق الأميركي المظلم. بغداد تحت احتلال يراد له أن يدوم لعشرات السنين. ومن بغداد تتوجه المدافع الأميركية نحو دمشق.. تهدد وتبتز، وتحاول فرض شروط التسليم على سوريا. وقائمة الدول العربية المرشحة لـ «التغيير» السياسي والثقافي وحتى الجغرافي طويلة. والمشروع الأميركي للهيمنة على المنطقة تجري محاولة تسويقه على الجانبين.. فبالنسبة للعرب، فإن عليهم أن يقبلوا الهزيمة، وأن يسارعوا بقبول ماتريده أميركا.. وألا تحولوا جميعا الى «بغداد» التي تحولت الى ساحة للاحتلال والسلب والنهب والتدمير. وبالنسبة للعالم فإن القضية هي أن أميركا لن تسمح لهؤلاء العرب والمسلمين المتخلفين المتعصبين أن يسيطروا على الجزء الأعظم من احتياطيات البترول ويضعوا العالم المتقدم تحت رحمتهم، كما أنها لن تترك هذه المنطقة تحكمها ثقافة مختلفة ومتخلفة تصدر للعالم مع البترول إرهابا وتعصبا. ولذلك فلا بديل ـ وفقا لهذه الرؤية الأميركية الاستعمارية ـ إلا الهيمنة على المنطقة، وعلى أوروبا بالذات أن تتفهم وتساعد أو تشارك في المهمة.. وفي المكاسب أيضا!! وإذا كانت أوروبا مازالت مترددة أو مختلفة حول هذه الصفقة الاستعمارية، فإن ماسيحسم الامر هو مدى القدرة العربية على التعامل مع هذه التحديات. وللأسف الشديد فإن الصورة من هذا الجانب لا تبشر بخير كثير، فالنظام العربي يبدو متهالكا متهاويا. والجامعة العربية لم تعد قادرة على الحياة. والحكومات العربية تقع بين ضغوط الولايات المتحدة التي تريد اخضاع كل شئ لإرادتها، وضغوط الشعوب التي ترفض هذه الهيمنة وتسعى لاستعادة الأمة لإرادة المقاومة والنهوض. إن كل القوى السياسية والتيارات الفكرية في العالم العربي مطالبة بأن تخرج من حالة الصدمة التي تعيشها، وأن تبدأ على الفور في البحث عن اجابة لأسئلة مصيرية لابد من طرحها:لماذا كان ماكان، ولماذا عجز العرب عن منع الكارثة؟. ماهي مسئولية النظم وماهي مسئولية المجتمعات العربية عما حدث؟. كيف نخرج من دائرة اللافعل، وكيف نتفادى مايدبر لنا من مخططات تستهدف اخضاع كل شئ عربي للسيطرة الأجنبية.. من البترول الى الثقافة، ومن التعليم الى اخص شئونا؟. هل يكون الخلاص بالارتداد الى الماضي كما يريد البعض.. أم بالتسليم للواقع الردئ كما يريد البعض الآخر.. أم بالتغيير الذي يؤهلنا للتعامل مع الحاضر وبناء المستقبل؟. وهل يكون التغيير على حساب هويتنا ومصالحنا كما تريد الولايات المتحدة الأميركية.. أم يكون التغيير تأكيدا لهويتنا وحفاظا على مصالحنا ورفضا للهيمنة الأجنبية على مقدراتنا دون انغلاق عن العالم، بل بالتفاعل مع هذا العالم الذي يمر بفترة تحول تقاتل أميركا حتى لا تكون نتيجتها هي انهاء هيمنتها.. وصعود قوى أخرى تعيد التوازن الدولي وتفرض احترام القانون وتسعى لعالم يقوم على المشاركة والتعددية؟ أكثر من أي وقت مضى نقف الآن مهددين في أمننا وأرضنا، بل ووجودنا ذاته. وأكثر من أي وقت مضى يدرك الكل حجم الخطر ويبدأ البحث عن طريق للنجاة.. وإذا كانت الشعوب بتياراتها السياسية والفكرية المختلفة قد بدأت تفيق من الصدمة وتحدد المسئولية وتشحذ كل اسلحتها للمقاومة، فإن النظم العربية تدرك هي الأخرى مدى صعوبة الأوضاع التي وجدت نفسها فيها بين مخططات أميركية للهيمنة، وبين ارض عربية تحت الاحتلال، وبين شعوب عربية ترفض الهزيمة وتدرك أن الاصلاح السياسي والاقتصادي لمجتمعاتها لن تأتي به الدبابات الاميركية.. بل لابد أن تصنعه الشعوب العربية بنفسها ولمصلحتها فقط. مصر ودورها القيادي وقبل أيام تساءل الرئيس المصري حسني مبارك:لماذا كلما واجهتنا أزمة نقول:أين مصر؟ وأين اتفاقية الدفاع المشترك؟. مؤكدا أن البداية هي في إقامة السوق العربية المشتركة، لأن اتفاقية الدفاع المشترك لا يمكن تفعيلها إلا عندما تصبح الاقتصادات العربية قوية. ومطالبا بإصلاح حقيقي للجامعة العربية وتعديل لميثاقها حتى تتمكن من أداء دورها في العمل العربي المشترك. ولا شك أن سؤال الأمة العربية:أين مصر؟ هو سؤال طبيعي وضروري. فوجود مصر في قلب العمل العربي المشترك هو الضمانة والأساس، وغياب مصر كان على الدوام دعوة لكل قوى الشر والعدوان لكي تمارس عدوانها على الأمة. قبل «ثورة يوليو» كانت رسالة مصر الثقافية نبراسا للأمة وهي تعيش تحت الاحتلال، وبعد الثورة كان مع الرسالة الثقافية والتنويرية رسالة أخرى حملت عنوان المقاومة والتحرير حتى نال الوطن العربي ـ من المحيط الى الخليج ـ استقلاله، وبدأ معركة التعمير والبناء في مواجهة مقاومة أميركية وعدوان اسرائيلي استطاع في النهاية أن يلحق بالأمة هزيمة 67. ومع ذلك نهضت الأمة وصمدت وقاومت وحاربت وانتصرت في 1973. بعد 73 كانت الفرصة مهيأة لتنمية العمل العربي المشترك في كل المجالات، ولتطوير المجتمعات العربية من الداخل على أوسع مدى. لكن التقاعس العربي مكن المؤامرات الخارجية من النجاح في القضاء على «تحالف أكتوبر» العربي. أعلنت اميركا الحرب على البترول العربي حتى لا يستغل في بناء القوة العربية. ثم ذهب السادات الى كامب ديفيد، وتلقى العمل العربي المشترك أقسى الضربات، وانقسمت الأمة، واستمر التدهور في العلاقات العربية حتى كانت كارثة غزو الكويت عام 1990. وبعد تحرير الكويت لاحت فرصة أخرى لبناء القوة العربية من خلال «اعلان دمشق» الذي ضم دول الخليج ومصر وسوريا، ولكن المحاولة أجهضت بإرادة أميركية. وبعدها تم إفشال كل محاولات المصالحة العربية، وتم ضرب كل محاولات بناء القوة العربية الحقيقية.. اقتصاديا، وسياسيا، وعسكريا. حتى وصلنا الى الوضع الذي وجد فيه البعض أن الحل الوحيد لوقف حرب ابادة الشعب الفلسطيني هو «التوسل» لأميركا أو «التسول» منها. وحتى وصلنا إلى حالة العجز العربي التي مكنت أميركا من شن حربها على العراق في غيبة الشرعية الدولية، وفي غيبة الفعل العربي الذي كان قادرا لو اتحدت كلمة العرب على وقف الحرب وانقاذ العراق. وفي كل هذه الأزمات كان السؤال:أين مصر؟ سؤال منطقيا، لأن عودة مصر لممارسة دورها القيادي في أمتها هو صمام أمن لهذه الأمة. وفي كل هذه الأزمات كان السؤال:أين اتفاقية الدفاع العربي المشترك؟ سؤالا ضروريا.. لأنه يكشف عجز النظام العربي عن الوفاء بالتزاماته، ويحمل كل الاطراف العربية المسئولية عن ذلك. وفي كل هذه الأزمات يصبح السؤال عن تفعيل العمل العربي المشترك مطروحا، ويقف النظام العربي بمجمله في قفص الاتهام حين تفشل كل المحاولات لإقامة السوق العربية المشتركة، وهي الاساس بالفعل لكل عمل عربي مشترك.. خاصة في مجال الأمن العربي الذي أصبح مكشوفا كما لم يكن في يوم من الأيام. ولا نريد أن نحاسب الماضي، ولكن من أجل المستقبل نسأل:هل كان من الممكن أن يذهب السادات الى سكامب ديفيد «لو كانت» حرب أكتوبر «قد ترجمت نتائجها الى تعاون اقتصادي وعسكري وسياسي عربي.. كما كان مفترضا؟ عبور المحنة وهل كان ممكنا ان يترك الشعب الفلسطيني في مواجهة النازيين الاسرائيليين لو ان العرب تحولوا بالفعل الى كتلة اقتصادية وكيان عسكري كأوروبا بعد حرب أكتوبر؟ وهل كان ممكنا أن نسأل الآن:أين مصر؟ لو أن ثمانمائة أو تسعمائة مليار دولار من الاستثمارات العربية في أوروبا وأميركا تم استثمارها في الدول العربية، التي تعاني الآن من بطالة تقترب من عشرين مليون عربي من بين خمسة وتسعين مليونا هم مجموع الأيدي العاملة في البلاد العربية؟ إننا لا نسأل لنحاسب الماضي (وهو أمر مشروع بل وضروري)، بل لنعكس الطريق إلى الخروج من النفق المظلم الذي نساق إليه. حيث يراد لنا أن نسلم بضياع فلسطين، وبإحتلال العراق، وبوضع الأمة العربية (بثرواتها وأرضها وشعوبها) رهينة لدى الولايات المتحدة.. تعيد تشكيلها على هواها ووفقا لمصالحها. ولا أحد يملك ـ في هذه الظروف ـ ترف الاستسلام للأحزان، ولا مهانة الخضوع لشروط الإذعان التي يراد فرضها على الأمة. والخيار الوحيد هو المقاومة. والمقاومة لا تكون بترديد الشعارات، وإنما ببناء القوة القادرة على صد الهجمة الاستعمارية. والقوة لن تكون إلا في دول تعرف كيف تبدع نموذجها في الديمقراطية الحقيقية والعدل الحقيقي، وتعرف كيف تقيم قاعدتها العلمية والتكنولوجية المتقدمة، وتعرف كيف تبني نظاما للدفاع العربي المشترك على قاعدة متينة من الوحدة الاقتصادية التي تزرع الخير في كل الأرض العربية. العراق تحت الاحتلال، وفلسطين تحت التهويد، والأرض العربية كلها مهددة، ومحاولات كل دولة عربية للسير بمفردها فشلت. وفي الوقت الذي يريد فيه العدو ان نكتب شهادة الوفاة لعروبتنا وأن نتخلى عن هويتنا وثقافتنا، تصبح المقاومة هي الخيار الوحيد، ويصبح الالتزام بها شرطا لعبور المحنة. ..وفي لحظات المصير، تطرح الأمة أسئلتها المشروعة، ولا تبقى طويلا في انتظار الجواب!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية