الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 من الذي حرَّم على أجهزتنا الاعلامية ان تعتني بشبكة العلاقات الاجتماعية، وان تستثمر ادواتها في تفعيل صلة الانسان بذاته وبمجتمعه الأسري وبيئته الوظيفية؟ من الذي صادر حريتها في تحليل الظواهر الاجتماعية السلبية، ورصد اسبابها، ثم توظيف الخبرات العلمية لمعالجة تلك الظواهر والسيطرة عليها؟ بالطبع لم يحرم احد على اجهزتنا الاعلامية ان تتناول النسيج الاجتماعي بخيوطه الدقيقة، والوانه المتباينة، وان تبحر في داخل النفس البشرية، وتكتشف الحاجات الاساسية التي مازال الطريق موصداً امام تحقيقها في ظل انعدام الوعي بأهمية الالتفات اليها في عصر العولمة. لقد كان «الاستقلال» في اتخاذ مواقف منتمية إلى مصلحة المجتمع بغض النظر عن مدى انتشار مثل هذه الافكار في الاداء الاعلامي العربي والمحلي هو الخيار الاجدر بتلك الاجهزة. بل ان الريادة والسبق في احتضان الافكار الجديدة وتقديم الموضوعات الحساسة التي لم تنل حظها من الدراسة والتحليل كانت كافية لاغراء الكوادر العاملة في هذا الحقل المتميز باستثمار تلك التجارب الجديدة، واعادة تقديمها إلى الجمهور. فالغرابة كانت ستزول مع الزمن، وكانت ستتحول إلى واقع جديد يفرض نفسه من خلال استمراريته من جهة، ومن خلال الاثر الايجابي الذي تتركه هذه الاعمال في نفوس المتعاطين للخدمة الاعلامية من جهة ثانية. غير ان الخدمات الاعلامية مازالت تسير حتى اللحظة على رجل واحدة، وبعين واحدة، مما يجعل الجهد المبذول في هذه المؤسسات لا يتناسب مع النتائج الاجمالية التي يمكن قياسها عن طريق رصد السلوكيات المجتمعية، وقياس قدرتها على الالتزام بادوارها العليا في خدمة الامة ودفع ضريبة الانتماء اليها. فنحن لا نزال نسمع جلبة ولا نرى اثراً، ونلحظ تكرار شعار الخدمة الافضل بينما لا يغطي الافق الاعلامي الجاد الا الانشطة التي تتناول قضايا الساعة بالصوت والصورة والكلمة، وتتعامل مع الخبر من حيث كونه هدفا بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة لرصد الواقع السياسي وتداعياته في العالم!! لقد ظل الخبر الاعلامي هو الصيد الذي تتنافس على الفوز به الوكالات العالمية، ومحطات التلفزة العربية دون ان يواكب هذه الاخبار الساخنة معالجات ساخنة تسلط الضوء على العلاقة المفصلية ما بين انهيار الوضع السياسي والعسكري وما بين روح اللامبالاة التي تسيطر على الجموع المنشغلة بأهدافها المحدودة، واحلامها الضيقة والمنكفئة عن اداء ادوارها الحيوية في خدمة قضايا الامة. ان هذه اللافاعلية التي تعاني منها الملايين من ابناء الشعوب العربية كانت تستدعي عمليات انقاذ منظمة وملحة للارادة الجماعية التي لا يقل اثر فقدانها عن اثر فقد الارادة السياسية في زمن الترويع والصدمة والذهول عما هو واجب ومطلوب!! وقد كان حريا بالاعلام ان يستلهم مهماته في انقاذ الارادة الجماعية من ان تصل إلى هذه الدرجة من التدني والانخفاض، وكان الواجب ان ينشط الاعلاميون قبل سواهم لاعادة تأهيل العقلية المسلمة لانجاز مهماتها الحضارية بدلا من التفرج والقاء التبعة على الاجهزة السياسية لتنجز وحدها مهمة الحماية واسترجاع الحقوق المغتصبة!! والاسئلة التي يجب ان تقرع كل الآذان: لو كانت الشعوب على مستوى من الوعي والعمل المنظم والجاد هل كان بمقدور رجل السياسة ان يسبح عكس التيار بالشكل الذي نراه اليوم؟! اكان رجل السياسة سيتسول القوة المسلوبة من الخارج لو كان ثمة قوة داخلية نابعة من ضمير الامة، ومن تفوق افرادها على ذواتهم وارتباطهم بالقيم العليا والاهداف المصيرية؟! هل كان بمقدور رجل السياسة ان يظل مغلقا عينيه عن حقوق امته لو كان ثمة امة حية تنتفض من الداخل، وتعي ما يراد بها، ولا تقايض على كرامتها بشيء؟! ترى أليس غريبا ان تسلط الاضواء على جهاز واحد وتطالبه بالنضج والفعالية في حين تغض الطرف عن السذاجة واللافاعلية التي عليها الملايين من ابناء هذه الامة المشتتة فكريا قبل ان تتشتت جغرافيا؟! m-alnaymi@maktoob.com