الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 منذ الاستسلام الغامض لعاصمة الرشيد للقوات الأميركية دون أدنى مقاومة، زالت، والحمد للّه، التكشيرة عن وجه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي وحلّت محلها ابتسامة عريضة لم نعتدها منه من قبل. إنها بلاشك ابتسامة المليارات القادمة قريباً الى رصيده البنكي، فرغم اننا سمعنا عن صلة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بشركة هاليبيرتون التي ستجني عائدات هائلة من خدمات اطفاء آبار البترول «غير المشتعلة» في العراق، إلا انه لم يُكشف الكثير عن شركة «بيتشيل» التي ستنال هي أيضاً حصتها من الغنائم العراقية قريباً، وصلتها بمهندس آخر من مهندسي الحرب هو دونالد رامسفيلد، وذلك في حلقة أخرى من المسلسل القبيح سييء الحبكة الذي يفضح نوايا الادارة الأميركية من حرب التحرير والنهب هذه. ففي تقرير بعنوان «كيف أعمت مصالح النفط عين الحكومة الأميركية عن استخدام صدام للأسلحة الكيماوية» كشف جيم فاليت، وهو مدير معهد الدراسات السياسية في أميركا تفاصيل عن شركة «بيتشيل» التي ظلت محور اهتمام الساسة الجمهوريين منذ أمد طويل، إذا لا يخفى على أحد أن العديد من صقور الحرب أمضوا عامين خلال الثمانينيات في محاولات يائسة لاقناع صدام حسين بتوقيع عقد لبناء خط أنابيب العقبة. وبالرغم من انه حينها كان يستخدم السلاح الكيماوي ضد الايرانيين، إلا أن ذلك لم يمنع أعضاء في الحكومة الاميركية مثل رامسفيلد من اجراء لقاءات مطولة مع ما يسميه اليوم «الديكتاتور الشرير» للتفاوض على عرض ستنتفع منه بالدرجة الأولى شركة «بيتشيل» وكان سيحظى صدام بفضله في حال تنفيذه على رضا ومباركة الأميركان. فوفقاً لوثائق توفرت حديثاً، سافر رامسفيلد مرتين الى بغداد كمبعوث خاص للرئيس ريغان بهدف ترويج خدمات شركة «بيتشيل» المتخصصة في بناء خطوط أنابيب البترول. وعلى حسب خطة وضعها جورج شولتز الذي كان في السابق عضواً في مجلس ادارة بيتشيل ثم انتقل منها مباشرة ليصبح وزير خارجية ريغان، طرح رامسفيلد فكرة بناء خط أنابيب يمتد من العراق للأردن في ديسمبر من العام 1983، ورد صدام بالقول إن الخطة تبدو له جيدة كفكرة، لكنه أعرب عن تخوفه من احتمال مهاجمة اسرائيل لخط الأنابيب. وكتب رامسفيلد حينها رسالة موجهة لشولتز قال فيها: «قلت له انني أتفهم وجود حاجة لعمل ترتيبات من نوع معين تطمئن الأشخاص المعنيين بأنه لن يكون عرضة للخطر». وختم بالقول: «ينبغي عرض هذه القضية على الجانب الاسرائيلي في الوقت المناسب». وخلال العامين التاليين بذلت ادارة ريغان ومندوبون من «بيتشيل» جهوداً حثيثة لتبديد مخاوف صدام حتى في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تدين بشكل علني استخدام العراق للسلاح الكيماوي في حربها ضد ايران. ولكن خلف الكواليس رتّب مسئولون في ادارة ريغان زيارة ثانية لرامسفيلد للعراق تزامنت في اليوم الذي أكد فيه فريق من الأمم المتحدة استخدام صدام غازات كيماوية ضد ايران. وفي غضون ذلك منحت بيتشيل وعداً لرئيس الوزراء الاسرائيلي شيمون بيريز نسبة من الأرباح تصب في ميزانية حزب العمل، وقدمت الادارة الأميركية اغراءات مالية أخرى كضمان لعدم مساس اسرائيل بأنبوب النفط العراقي. بيد أن كل تلك الجهود والمحاولات المستميتة ضاعت سُدى، فبعد عامين من تقديم رامسفيلد المقترح الأميركي، أعلن صدام رفضه النهائي بعد أن وجد صفقات أفضل تتعلق بخط أنابيب يمتد عبر السعودية وتركيا بتكلفة انشائية تقل بكثير عما عرضه الأميركيون. ولابد أن الرئيس العراقي المخلوع يعض النواجذ من مخبئة اليوم ـ إن كان لايزال على قيد الحياة ـ ندماً على غلطة عمره التي كلفته عرشه، فلو انه قبل آنذاك بالعرض الأميركي لما انتهزت الادارة الجمهورية الحالية التي تضع التجارة قبل السياسة نصب أعينها، الفرصة للثأر لنفسها والاطاحة بالرجل الذي حرمها من المكاسب التي كان يسيل لعابها لها. ومع ان رفض صدام للعرض الأميركي وضع نهاية لدبلوماسية النفط الأميركية، إلا ان ادارة ريغان وبوش الأب بلعت الاهانة وارتضت بعد ذلك التعاقد على مشاريع أقل أهمية مع صدام. فقد وقعت بيتشيل مع صدام في العام 1988 بعد فترة قصيرة من قيام «علي الكيماوي» بابادة آلاف الأكراد بالغازات السامة عقداً لبناء وحدة تصنيع مواد كيماوية مزدوجة الاستخدام بالقرب من بغداد. والجدير بالذكر ان صدام حدد اسم شركة «بيتشيل» ضمن كبرى الشركات التي أمدته بتكنولوجيا السلاح الكيماوي في التقرير الذي قدمه العام الماضي للولايات المتحدة واختطفته الأخيرة قبل أن تتسنى رؤيته للأعضاء الآخرين في الأمم المتحدة لحذف كل ما يمكن أن يدينها. وقد توقفت عملية بناء المصنع بعدما غزت قوات صدام الكويت واحتجزت شرطته موظفي بيتشيل. وغادر آخر موظف للشركة العراق في ديسمبر من العام 1990، ومنذ ذلك الحين والعلاقات السياسية والتجارية بين أميركا والعراق منقطعة. وخلال عقد التسعينيات ظل رامسفيلد وغيره من المسئولين يتابعون بحسرة وغيظ أنباء ذهاب عقود النفط إلى شركات صينية وفرنسية وروسية، وللتمويه على شعورها بالحسد والغيرة، نددت أميركا بكل من يعقد صفقات مع رجل يمتلك أسلحة دمار شامل. والعبرة من قصة «بيتشيل» التي أسدلت الحرب الأميركية الأخيرة الستار على آخر فصولها، هو ان الديكتاتور الشرير هو صديق للولايات المتحدة عندما يكون مستعداً لمنحها عقوداً تجارية وعدواً هالكاً حينما يعاند ويحرمها منها، والمؤسف أن الأبرياء هم من يدفعون دوماً أرواحهم ثمناً للصفقة التجارية التي تتعثر لسبب أو آخر. ebtesam@albayan.co.ae