السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 فتاوى علماء الاسلام التي صدرت قبل واثناء العدوان على العراق ادت دورا عظيما في حشد الامة لمناصرة العراق، فقد توحدت الصفوف خلف هذه الفتاوى التي اختفت منها ـ على غير العادة ـ الفوارق والاختلافات، فقد اجتمع علماء الامة من كل المذاهب على هدف مناصرة العراق ورد العدوان عنه. واجتماع العلماء على هدف واحد امر ندر حدوثه، ربما منذ عقود طويلة، ويعني هذا الاجماع ان تفتت الامة وتمزقها ليس قدرا محتوما، بل هو تفتت قابل للعلاج وتمزق قابل للاصلاح على مستوى الفقه والفكر الاسلامي. وبقدر ما صقلت هذه الحرب دور العلماء والمؤسسات الاسلامية بقدر ما كشفت انهم غائبون بارادتهم عن مجريات حياة المسلمين ومشكلاتهم التي ادت الى كارثة العراق، تلك الكارثة التي نجمت عن ممارسات رسمية وشعبية عراقية وعربية. وما كان لبغداد خاصة وللعراق عموما ان تسقط بهذه السهولة لولا وجود هوة واسعة، بل وانعدام التواصل بين النظام الحاكم والشعب، فبينما كان النظام يهدد بحرب شرسة ضد الغزاة تكشف ـ فيما بعد ـ ان الشعب كان مستعدا للتخلص من هذا النظام بأي ثمن. وعلى النقيض مما كان في العراق كانت الامة في عمومها تحتشد خلف العراق كدولة عربية مسلمة تتعرض للعدوان، فذهب المتطوعون يحدوهم النصر او الشهادة في سبيل الله، وخرجت الشوارع العربية في مسيرات ضخمة لم تشهدها الامة منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 املا في مناصرة العراق عبر الضغط على الحكومات لاتخاذ مواقف فعالة، ثم تبين بعد سقوط بغداد ان العراقيين (كأفراد في معظمهم) كانوا يتطلعون من موقف الخلط بين النظام والوطن الى الخندق المعاكس، بل ان بعض العراقيين قبضوا على كثير من المتطوعين العرب وسلموهم الى القوات الاميركية. وهو ما كشف ان الحسابات الشعبية العربية كانت على خطأ. وفيما كان هناك تلاحم بين فتاوى علماء الاسلام وبين الشعوب العربية والاسلامية خارج العراق كانت الفجوة ضخمة بين هذه الفتاوى وبين تطلعات الشعب العراقي الذي لم يكن يريد لنفسه ان ينتصر في هذه الحرب، بل كان اكثره عازفا عن نيل شرف الدفاع عن بلاده، لان ذلك يعني بقاء النظام الذي يبغضه ويرى فيه عدوه الحقيقي، وهذا الفهم مثل صدمة كبرى لا تقل عن صدمة سقوط بغداد. وكي لا تتكرر الكارثة التي انتهت باحتلال العراق، وكي لا يجد علماء الاسلام انفسهم وقد ضاعت فتاواهم عن الجهاد ضد المعتدي الاجنبي، خاصة وان التوقعات تشير الى احتمال تكرار هذه السيناريوهات، فاننا كمسلمين بحاجة الى ثورة فقهية في امور العلاقة بين الحاكم والمحكوم تستدعي القفز على كثير من المسلمات التي ولدت كارثة العراق، ثورة فقهية تتعامل مع الحاكم المستبد بالحزم الذي تتعامل به مع المستعمر الاجنبي، وتعتبر الاثنين خطرا على الامة، وذلك باعلاء شأن الجهاد الاكبر ليس على مستوى الفرد فقط وانما على مستوى الدولة ايضا وصولا الى الامة، فاذا كان الجهاد الاكبر على مستوى الفرد هو جهاد النفس، فان هذا الجهاد على مستوى الدولة هو جهاد يشمل كل مواضع الخلل والسوء في الدولة واجهزتها ومؤسساتها، وهو جهاد يشمل ايضا العلاقات الفاسدة التي تحكم وتتحكم كي نحقق قول الله تعالى «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» ومن اجل ذلك يجب التصدي لكل اشكال الظلم والقهر عملا بما قاله الامام ابن تيمية «ان الله ينصر الامة العادلة ولو كانت كافرة، ويهزم الامة الظالمة ولو كانت مسلمة» فالعدل اساس الملك ولكن هذا الاساس مفقود في كثير من بلدان العرب بل ان الظلم هو اساس الحكم في هذه البلدان. ولا يخفي على عربي ـ ومنهم علماء الاسلام ـ ان نمط الحكم الذي ادى الى سقوط بغداد لايزال قائما في دول عربية كثيرة، فنظام الحزب الواحد، على شاكلة البعث العراقي ـ هو النظام المعمول به في اكثر الدول، فالتعددية ليست سوى ديكور، كما ان تعطيل الحريات العامة هو السمة المشتركة مما ترتب عليه شيوع القهر وانتشار الفساد والزج بالآلاف داخل المعتقلات. ويقع على العلماء ـ في الجهاد الاكبر ـ عبء كبير لا يقف عند حدود النصح للحاكم، وانما في استثارة الامة وتعبئتها ضد كل اشكال الظلم عبر تحديد وتسمية اشكال هذا الظلم تسمية صريحة وواضحة مثل الافتاء بان الحكم بقوانين الطواريء وما يترتب على ذلك من ظلم يخالف شرع الله ويستوجب الجهاد في سبيله ولو بالحكمة والموعظة الحسنة، فهذا افضل من الصمت. ويعني الجهاد الاكبر ايضا ان يكون الاعتماد على النفس وتشجيع البضائع العربية والاسلامية وكذلك مقاطعة بضائع الدول المعادية فرض عين على كل مسلم. ويعني الجهاد ايضا ان يقر العلماء بحرمة رفع الاسعار وتجويع الفقراء من المسلمين. كما يحتاج الجهاد الاكبر الى التصدي لمشكلة البطالة، ولكثير من الظواهر السلبية المتفشية في المجتمع مثل ضرورة تحريم الدروس الخصوصية عندما تكون على حساب اجادة المدرس لعمله في الصف، وتجريم الموظف الذي يعطل مصالح الناس، وكذلك الطبيب الذي يسيء الى مرضاه، والمهندس او المقاول الذي يتلاعب بالمعايير والقياسات النموذجية للبناء.. وهكذا يكون الحال في بقية المجالات. صحيح ان ذلك ما افتى به العلماء مرارا، ولكن نحتاج الى فهم جديد وفقه صارم يرتفع بمستوى التهاون والتراخي في حقوق المجتمع الى مستوى الكبائر، لينطبق ذلك على الحاكم والمحكوم. نحن نحتاج الى فقه متجدد يعلي من شأن المعاملات مثلما يعلي من شأن العبادات وان يترسخ ذلك الفهم في نفوس الامة. ونحن في ظرف تاريخي قادر على فهم واستيعاب هذه المسئوليات وتحويلها الى نمط حياة لذا يجب ألا يغيب العلماء عن هذا الظرف، بل عليهم التواجد بقوة مثلما كانوا متواجدين قبل العدوان وخلاله. لماذا لا تتحرك المراجع الاسلامية من أهل السنة والشيعة للقيام بهذه المسئوليات دون انتظار لغزو جديد؟ لماذا لا يعكف الازهر الشريف والمؤسسات المماثلة ودور الفتوى في بلاد العرب على بحث حالة حقوق الانسان، ومعدلات التنمية، ومدى ممارسة الشعوب والحكومات للشورى كنظام حكم، وغير ذلك من القضايا الحياتية والحيوية لعموم المسلمين فذلك افضل من ترك هذه المهام لجهات ومؤسسات ودول معادية لنا وتتربص بنا وبديننا. التحديات المطروحة على الامة عظيمة وتحتاج الى نهج العز بن عبدالسلام، هذا العالم الفذ الذي كان احد ركائز انتصار المسلمين على التتار في موقعة عين جالوت.. فهل يتحرك علماء الامة سريعا ام علينا انتظار كارثة اخرى في وزن كارثة العراق كي يتحركوا ؟