السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 ربما كان الاعلام التلفزيوني العربي هو الفائز العربي الوحيد في حرب أميركا على العراق، بحيث يستحق هذا الاعلام ، عن جدارة هذه المرة وسام استحقاق من الدرجة الاولى بعد ان تفوق على الاعلام الغربي في نقل المعلومة والصورة بمهنية عالية. لكن هذا الكلام لا ينسحب على كل المحطات التلفزيونية العربية التي بقي اغلبها غارقا في برامج العبث، وان سعى بعضها لملاحقة المشاهدين بتغطية أخبار العرض. وحين الاشارة الى الاعلام العربي المتفوق في ادائه، فهي لا تطال سوى محطتي «الجزيرة» و «أبوظبي» اللتين تنافستا في نقل الحدث بموضوعية ومهنية نادرة في الاعلام العربي بعيدا عن اي تسلط سياسي او تخلف مهني. منذ كانت كاميرات المحطتين تسابقان صواريخ «كروز» الأميركية من مكان انطلاقها في المياه والاراضي العربية الى مكان سقوطها من ام قصر حتى أبو غريب في العراق، كما تسابق لاعبو الحرب للفوز ببث اعلامه من خلالهما بالدرجة الاولى، لادراك الجانبين بتأثيرهما وجماهيريتهما التي اكتسبتاها بجدية الطرح وسرعته ومهنيته، لعل ابرزها صولات وجولات الشخصية الاشهر في هذه الحرب وزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف. كل ذلك متبوعا بالتحليل ومطاردة المعلومة في الفضاء الممتد من بغداد الى واشنطن. ولعل في احداث يوم سقوط بغداد، وما تعرضت له المحطتان من قصف اميركي متعمد لمقريهما المتجاورين في بغداد وسيلان دم زملاء ضحوا بحياتهم او تعرضوا للخطر ما يؤكد تفوقهما على غيرهما من المحطات العربية والغربية وتشكيل كاميراتهما خطراً على الخطط الحربية لهذا الطرف أو ذاك يضع وساما يزين شاشة المحطتين على ابداعهما. والملفت في المحطتين انهما تبثان من منطقة تتهم بالرجعية وكبت الحريات، وهي مسألة فيها قول، لكن الثابت ان المحطتين لم تخرجا عن السياسة العامة لدولة مقر كل منهما، ولم تخالفاها، وقدمتا للمشاهد ما لم يقدمه اي اعلام في العالم في تغطية هذه الحرب، وكانت المهنية فقط هي معيار عملهما في نقل الحدث من جانبيه، وبها حفرتا حرية تقديم المعلومة والصورة دون خوف، وتركتا للمشاهد تحديد موقفه. والملفت ثانيا ان المحطتين وهما حديثتا العهد احرجتا بمهنيتهما العالية وتجنيدهما لكل طاقاتهما البشرية والمادية لتغطية الحدث، محطات الريادة الاعلامية العربية التي تمتلك عشرات القنوات التي بقيت مسخرة لحروب «الفيديو كليب» بين فناني طرب المراقص. مثل كل الحروب، هناك منتصر ومهزوم، أميركا انتصرت في حرب الخليج الثالثة، و«الجزيرة» و«أبوظبي» انتصرتا في معركة الاعلام التي رافقت الحرب، وهو ما يفرض على المهزوم ان يراجع حساباته وأداءه ويعيد تشكيل شاشته، او يواجه سقوطا مثل سقوط تمثال صدام حسين.