السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 ما من فكرة تحملت كل اوزارنا وتشوهاتنا كما تحملت فكرة الوحدة العربية. ظلت هذه الفكرة على الدوام شماعة نعلق عليها الاخطاء ورمزاً لشيطان نرجمه بالجمرات كلما ضاق بنا الحال أو انهزمنا في معركة. اذا طغى طاغ أو استبد مستبد قلنا الوحدة واذا فشلت حكومة في انجاز خطة تنموية قلنا الوحدة واذا ظللنا اسرى تخلف حضاري أو صناعي قلنا الوحدة. السجناء في المعتقلات يرون الوحدة هي القضبان التي حبستهم وراءها.. والحكومة التي تعاني قلاقل داخلية تتهم جهات او احزاب وحدوية غير موجودة في الواقع باثارتها. حينما حصل حادث قطار الصعيد في مصر وعجزت الحكومة عن ايجاد تبرير مقنع لما حدث او القبض على جناة حقيقيين اطلق المصريون نكتة تقول ان الحكومة القت القبض على المتسبب في زلزال 92، وليس غريبا ان يخرج كاتب ليقول ان سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي سببه افكار الوحدة العربية. مسكينة هي الوحدة العربية.. ترتكب كل الجرائم دون ان تكون على قيد الحياة ولكننا نصر في كل مرة على انها هي المجرمة المطلوبة للعدالة ونجتهد جميعا في البحث عنها والعثور عليها حية أو ميتة مثلما يريد بوش ان يعثر على ابن لادن في الماضي وصدام حسين الآن. الوحدة العربية فكرة رومانسية حالمة.. تتميز بالسمو، لكن حظها السييء جعلت اغلب دعاتها اغبياء، مستبدين، مشوهون نفسيا، مزايدين يفكرون في ذواتهم وحدها، وهذا يشغلهم عن التفكير في اوطانهم الصغيرة فكيف لهم ان يكونوا دعاة لوطن كبير من المحيط الاطلسي إلى الخليج العربي. قليلون هم الدعاة الذين عملوا بحق، وظلوا يحلمون بصدق ان تتحقق. بعضهم مات كمدا، وبعضهم يئس، وكثيرون اغلقوا عليهم بيوتهم بعدما وجدوا السفهاء هم الذين يتصدون لحمل الرايات. لسوء الحظ كانت غالبية الانظمة التي ترفع لواء الوحدة انظمة شمولية مستبدة.. تقوم على حكم الفرد وتحكم شعوبها بالحديد والنار. فأساءت إلى فكرة من حيث ارادت ان تكون في خدمتها، وجنت على مستقبل اجيال كان يجب ان تحقق طموحاتهم واحلامهم، وبدلا من ذلك ابدلت هذه الاحلام بكوابيس. فكرة الوحدة بريئة من كل اخفاقاتنا ومن كل نكباتنا.. كانت طريقا للخروج من كل نكبة، لكننا في كل مرة نعرف الطريق الصحيحة ولا نسير فيها، وعندما نسير عكس الاتجاه ونسييء إلى الفكرة نرتد مرة اخرى كي نلعنها بدلا من ان نلعن اخفاقاتنا ونفتش عن اسباب فشلنا. ماذا قدمنا لفكرة الوحدة حتى نتصور اطلالا نبكي عليها غير كلام، لدرجة دفعت البعض إلى وصفنا بأننا ظاهرة صوتية. باستثناء مصر هل هناك دولة عربية واحدة قامت باجراء واحد يمثل خطوة عملية في طريق الوحدة.. هل هناك دولة شقت طريقا يصلح ان يكون جزءا من «هاي واي» عربي واحد، هل هناك دولة مدت خطا للسكك الحديدية او فضلت بضائع دولة عربية على بضائع اجنبية.. هل هناك دولة واحدة فتحت اسواقها واتاحت مشاريعها للاستثمار العربي وقدمت له الحماية. هل هناك دولة الغت تأشيرات دخول مواطني البلدان العربية الا باستثناءات قليلة. للاسف الشديد سيطرت على افكار الجميع طوال العقود الماضية المصالح الذاتية للحكام او الاحزاب الحاكمة والرغبة في البروبجندا المفرغة من اي معنى.. وسادت حالة من الوساوس والشكوك فيما بين النخب الحاكمة، فحدثت حالة من الاغراق في القطرية جعلت البعض يصور شعب بلده الصغير باعتباره امة قائمة بذاتها، ويجعل تاريخ حكامه الحاليين هو كل التاريخ أو معظمه. تجرأنا جميعاً على التاريخ فزورناه وشوهناه، وتجرأنا على الجغرافيا فثبتنا الخطوط والتقسيمات الوهمية لسايكس بيكو. هذه الخطوط الوهمية حولناها إلى أسوار عالية ربما أسوأ من سور برلين. من الذين حملوا أفكار الوحدة خلال العقود الماضية.. كان هناك تياران أساسيان لا ثالث لهما التيار الناصري والتيار البعثي. أما الأول فقد رأى ان الوحدة لا يمكن ان تتحقق الا باختيار الشعوب.. جمال عبدالناصر حاول ان ينفذ ذلك عملياً ويجعله واقعاً على الأرض.. لحظة استقلال السودان مال عبدالناصر إلى منح السودانيين حق الاختيار بين الاتحاد مع مصر وبين الاستقلال عنها.. واختار السودانيون الطريق الثاني فاحترم ناصر ذلك.. وهذا الخيار لم يمنع مصر من ان تضع كل طاقاتها تحت تصرف حركات التحرر العربية.. ساعدت اليمنيين والخليجيين والعراقيين والجزائريين على التخلص من الاحتلالات الأجنبية ولم تمانع في خوض تجربة وحدة مع سوريا رغم ان شروط الوحدة لم تكن مكتملة وحين قرر السوريون الانفصال لم يتدخل جيشها لمنع ذلك رغم انه كان بامكانه ان يمنعه. ولأن التجربة الناصرية كانت صادقة في توجهاتها تعرضت لضربات مميتة من الداخل والخارج.. من الداخل عبر نخبة كرست نوعاً من الاستبداد السياسي ودفعت إلى تأجيل المبدأ السادس الذي قامت من اجله الثورة وهو «اقامة حياة ديمقراطية سليمة» كما تعرضت لمؤامرات خارجية عاصفة حاولت محاصرة المشروع ولما فشلت وجهت له ضربة قاضية بعدوان 1967 ولم يكن غريباً ان يكشف التاريخ الدور الذي لعبه واحد من الزعماء العرب في اخبار إسرائيل وتحذيرها من مغبة حرب وشيكة تشنها مصر، كما لم يكن مستغرباً ان تلعب المخابرات الروسية دوراً قذراً في لف الحبل حول عنق المصريين الذين حلموا وعملوا وقدموا المال والرجال من أجل انضاج شروط الوحدة العربية. أما التيار البعثي فقد حمل الراية بيد وطعن باليد الأخرى من يسير معه على نفس الدرب.. سيطرت على البعثيين هواجس نشر افكارهم أولا، وقدموا ذلك على الهدف المركزي الذي قالوا انهم يسعون لأجله، فتحولت البعثية إلى دين خفي يريدون نشره أولاً ويريدون ثانياً ان تمثل المناطق التي ينتشر فيها البعث مركزاً وقاعدة لدولة عربية واحدة فيما الحقائق التاريخية والجغرافية لم تؤهلها لذلك. الأمر ببساطة ان تجربة البعث لم تكن تصلح كامتداد للدولة الأموية أو الدولة العباسية، فالدولتان قامتا على أساس ديني وخدمهما قربهما الجغرافي من مكة والمدينة، بينما البعث علماني حتى النخاع. «وللحديث بقية»