السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 جفت الاقلام ورفعت الصحف، وسقطت بغداد في براثن الاستعمار الأميركي البريطاني. ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولم تكن ـ الكارثة رغم فداحتها ـ غائبة عن الادراك السياسي السليم، بينما كان بوسع الأمة العربية ـ أنظمة وشعوبا ـ تدارك ارهاصاتها وهي لا تزال في بواكيرها، لو ان هذه الانظمة كانت تملك ارادتها وقرارها المستقل وايمانها بالثوابت القومية، وأتاحت لشعوبها ممارسة حقها في المشاركة السياسية والتعبير الحر عن مواقفها ورؤاها وخياراتها. ولانه لا فائدة ترجى الآن من البكاء واجترار المآسي أو جلد الذات، فلعله من المحتوم سلفا تكرار مآسينا وكوارثنا ان تنكبنا «سكة السلامة» ولم نتجنب «سكة الندامة»، فحتى الحيوانات والطيور والحشرات تتعلم من تجاربها وتنأى بنفسها عن الاخطاء والمهالك. ان المطلوب الآن والاجابة عن سؤال واحد محدد: لماذا وصلنا إلى ما نحن فيه من مهانة وجور واستلاب، ومن تخلف وفرقة وغياب معرفي عن آليات التقدم، وسوء توظيف الامكانيات والموارد، وهل يكمن الداء في انتهاك الحريات الديمقراطية وتزييف الانتخابات، وسلق القوانين وتفصيل التشريعات لحساب فئة محدودة على حساب الاغلبية الشعبية؟ وهل لا تزال مجتمعاتنا اسيرة للمناهج الشمولية وحكم الفرد او الحزب الحاكم؟ وكيف نفسر الاسباب والدوافع وراء شيوع ظواهر وأمراض التسيب والفساد والمحسوبية والبطالة والكساد والجهل الثقافي والانحرافات الاجتماعية. عبر الكم الهائل من القضايا والمشكلات التي تعج بها الصحف او تنوء بها المحاكم وأقسام الشرطة والنيابات؟ وإلى أي مدى كانت التداعيات موغلة في السلبية حين ضربنا عرض الحائط بابسط واهم آليات التغيير والتحديث عبر اعمال مبادئ التداول السلمي للسلطة، لا اعني على صعيد الافراد والنظم والاحزاب الحاكمة فحسب، وانما ايضا في كل منحى اداري وعلمي وسياسي واقتصادي. طلبا للتجدد وتكافؤ الفرص وتنمية المهارات وشحذ المواهب؟!. وفي كل الاحوال يظل من رابع المستحيلات احراز الانتصارات او تحقيق اي من الانجازات عبر سوق الشعوب كما قطعان الماشية، وانما برد اعتبارها والحرص على كرامتها وروحها المعنوية وتوفير كل ما يشجعها على العطاء والخلق والابداع، وبطلان المعادلة الخاطئة التي يلتزم بها بعض الحكام «من حق الشعب ان يفضفض عن نفسه ويقول ما يشاء. ومن حقي ان افعل ما اراه وحدي صائبا!». فاذا ما نجحت مبادرة الامة العربية افرادا وجماعات وأحزاباً ومنظمات للمجتمع المدني في الوفاء بمهام المراجعة ونقد الذات لسبر اغوار الكبوة التي لحقت بمسيرتنا الوطنية والقومية من كل حدب وصوب، وفي امانة وتجرد وموضوعية، عندئذ ندلف الى الاجابة عن سؤال الساعة حول مشروع النهوض الاستراتيجي من هذه الكبوة والحيلولة دون تكرارها مستقبلاً، ووضع الاسس والمناهج والآليات الكفيلة للحاق بالعصر ومواكبة متغيراته وبناء الدولة الوطنية الحديثة، والأمة المؤهلة لبلوغ المكانة الرفيعة التي تستحقها وحسم الصراع السياسي والحضاري مع اعدائها لصالحها. ونحسب ان المطلوب بداهة وبداية تحديث التعليم والاهتمام بالكيف، لا باعداد الخريجين غير المؤهلين لخوض غمار عملية النهوض الوطني والقومي، ولابد من معالجة كافة الاختلالات غير الديمقراطية وإزالة مختلف العقبات التي تكبل الحريات وقيام الاحزاب واصدار الصحف وبث القنوات الفضائية، ورفع القيود حول انطلاق الابداع، واعادة النظر في الخطاب الديني والخطاب الثقافي من زاوية تسريع وتيرة الاجتهاد والتنوير. ثم هل نطمع كثيرا اذا طالبنا بشفافية الحفاظ على حقوق الانسان، واعادة التوزيع العادل للثروة واقتسام السلطة، وان يتجنب من يقع عليهم الاختيار لوضع مشروع النهوض الوطني والقومي من العلماء والمفكرين الوقوع في اخطاء الانتقائية المعيبة لمناهج أو نظريات التغيير، وربما الانحياز لطبقة اجتماعية أو تيار سياسي بعينه، وانما فتح النوافذ لكل الوان الطيف السياسي والفكري والديني دون حظر أو تمييز، لان القضية تكمن في معادلة ان نكون معا أو لا نكون! ـ كاتب مصري