السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 ـ لست أدري لماذا يبكي البعض (أو يتباكى) على الأمم المتحدة التي تعصف بها أهواء السياسة الدولية حاليا، وتكاد تحولها الى رماد تذوره الرياح لتلحق بسابقتها «عصبة الأمم».. فهذه الأخيرة كتبت شهادة وفاتها بنفسها عندما عجزت عن أن تحول دون وقوع الحرب العالمية الثانية، وهاهو المشهد يكاد يتكرر بدقائقه حيث تبرز منه الأمم المتحدة وكأنها «خيال المآتة» أمام صلف القوة الاميركية الباطشة التي لا تقبل الا صورة الانصياع الكامل من جانب الأمم المتحدة والا فالقرار هو بالحتم سيكون انفراديا! وحتى لا يحسبنا البعض مغالين أو متجنين على الأمم المتحدة، اقترح أن نضعها بكل أجهزتها الفنية على المحك العملي، كأن نتخيل أن الـ 50 ألف موظف الذين يعملون بها قد اضربوا عن العمل لمدة شهر، ثم نسأل أنفسنا: ترى ماهو الضرر الذي سيقع على العالم في هذه الحالة؟ أقطع بأن شيئا ما لن يحدث للعالم، فالقوى الباطشة تواصل سحقها للشعوب الضعيفة والسطو على ممتلكاته وانتهاك حقوقها - تماما كما يحدث تحت أعين الأمم المتحدة! وان كان لابد من ذكر الحقيقة، كان ما سيغيب حقا في حال الاضراب هو برقيات التعازي التي يبعث بها الأمين العام للأمم المتحدة مواسيا اهالي الضحايا.. حدث ذلك عندما بلغ عدد ضحايا مجزرة سربرينتشا في يوغسلافيا نحو 700 ألف وعندما تجاوز عدد ضحايا رواندا الـ نصف مليون! ولا تثريب على الأمين العام - أيا كان شخصه - لأن حدود ظيفته كموظف دولي لا تسمح له بأكثر من ذلك، حتى ليقال انه يرفع دائما شعار يكفيني شرف المحاولة فهو «يقترح» «ويبحث» و«يشدد»، وحسبه أن يصدر ذلك لاحقا في بيانات لكي يعرفها الناس أما النتائج فلا يشغل نفسه بها. وإذا تأملنا قليلا جهاز مجلس الأمن فسنجده قد تأسس على قاعدة غير عادلة، فحق الفيتو الذي تتمتع به خمس دول فقط - هم الدول دائمة العضوية - هو حق جائر لأنه ضد مبدأ المساواة وضد الديموقراطية ولا يستخدم الا من منطلق المصلحة الخاصة (الأنانية) وقراءة سريعة لقراراته منذ تأسست الأمم المتحدة في عام 1945 وحتى اليوم كفيلة بأن تضع يدنا على هذه الحقيقة المؤلمة خصوصا تلك التي تتعلق بقضايانا العربية، فقد لا يعلم الكثيرون أن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو ما يقرب من 80 مرة منها 37 مرة لصالح اسرائيل وضد العرب بالضرورة! ولست أشك في أن موقف مجلس الأمن من الأزمة العراقية الحالية مايزال شاخصاً (ومتجدداً) في الأذهان، فالولايات المتحدة تعتبر هذا المجلس «مارقا» لأن أصوات أعضائه (الخمسة الدائمين، والعشرة غير الدائمين) لم تتوحد في صوت واحد هو الصوت الأميركي، ولذلك لم يكف ممسكوها عن التهوين من أمره الى حد احتقاره، واعتباره غير موجود، ولا قيمة لقراراته. دع الاشياء تمر! واذا تركنا مجلس الأمن لندخل قاعة الجمعية العامة التي تضم 191 مقعدا - هم عدد دول العالم أجمع ـ فسنجدنا أمام جهاز لا يفعل أكثر من أن يكرر ماسبق ان قاله مجلس الأمن، واذا صدرت قرارات عنه، فهي لا تساوي الحبر المكتوبة به، ولعلنا نذكر ان هذه الجمعية الميمونة اصدرت أكثر من 160 قرارا لصالح الشعب الفلسطيني، لم ينفذ منها قرار واحد! ولذلك لم يغال البعض عندما قال ان شعار الجمعية العامة الذي يؤمن به الجميع هو: اصرخ بأعلى صوتك ثم دع كل الاشياء تمر! أي أن صراخك لا معنى له!! انها مكان يدلي فيه المتضررون بالشكاوى لكن ما قيمة ذلك في عالم تسيطر عليه قوة واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية؟! واذا اقتربنا أكثر من آلية عمل هذه المنظمة الأمية العالمية (الأمم المتحدة) لاكتشفنا عجبا! فكل القرارات التي لا تريدها أميركا لا يكتب لها البقاء، وكذلك القرارات التي لا تأتي (على هوى) الدول دائمة العضوية، ففي الستينات رفضت فرنسا مناقشة قضية استقلال الجزائر في مجلس الأمن لأنها كانت تعتبر هذا القطر العربي الشقيق امتداداً للوطن الفرنسي! وفي فترة لاحقة رفضت فرنسا وبريطانيا (وهما عضوتان دائمتان في مجلس الأمن) استبعاد جنوب افريقيا من منظمة الأمم المتحدة بسبب سياسة الفصل العنصري (الأبارتيد) التي كانت تتبعها.. وشئ كهذا حدث عندما رفضت الولايات المتحدة أن تتعرض اسرائيل لموقف مشابه بسبب سياستها العنصرية البغيضة التي تتبعها - عيانا جهارا وحتى اليوم - في الأراضي الفلسطينية.. وعلى نفس الميزان المعطوب تواترت المواقف التي تدين الأمم المتحدة وتضربها في صميم شفافيتها، ونزاهتها، فعندما تأخرت دولة هايتي عن سداد حصتها سبب عجزها المالي اصدرت الأمم المتحدة قرارها بحجب صوتها في الجمعية العامة، أما الاتحاد السوفييتي فعندما تأخر عن سداد حصته - ليس عن نقص في الموارد وإنما عن عمد مع سبق الاصرار والترصد، لم تجرؤ الأمم المتحدة أن تصدر قرارها بحجب صوته، وانما تركته يلهو، ويمرح ويعبث بالقرارات الدولية والقانون الدولي كما يحلو له! صدر قرار 1441 عن مجلس الأمن بشأن نزع اسلحة الدمار الشامل في العراق وتهديده بالتدخل العسكري مالم يمتثل.. بينما تمتلك دولة مجاورة هي اسرائيل أكبر ترسانة نووية وبيولوجية، وكيماوية في الشرق الأوسط، ولم يتحرك جفن للأمم المتحدة.. وكأن امتلاك العراق لهذا النوع من الأسلحة هو «الحرام» بعينه، أما امتلاك اسرائيل فهو أمر طبيعي.. هكذا ترى الإدارة الأميركية أو الشرعية الدولية التي تمثلها الأمم المتحدة! وكلنا يذكر أن صوت المنظمة الأممية العالمية - حامية السلام والأمن الدوليين - ظل محبوسا لفترة طويلة، عندما فجرت اسرائيل المفاعل النووي العراقي في - عام 1981، وكأن ماأتت به اسرائيل لا يتنافى (أو يتعارض) مع الشرعية الدولية!.. والأمثلة كثيرة، لكن مايملأ القلب مرارة هو الموقف الذي تحمس له الأمين العام الحالي كوفي عنان بعيد مجزرة جنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عندما أعلن عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق وحدد اسماء اعضائها وانتظر كي تنصاع اسرائيل لقرار الأمم المتحدة، وتقبل استقبال اللجنة وعندما طال انتظاره، اعلن في شجاعة يحسد عليها حل اللجنة ولم يحرك ساكنا بعد ذلك، وكأن مافعلته اسرائيل صحيح، أما مافعله هو عندما تجرأ وأعلن تشكيل هذه اللجنة فهو الخطأ - كل الخطأ! وهكذا. أضاف كوفي عنان قرينة جديدة تضاف الى آلاف القرائن التي تدلل على ضعف وهشاشة، ان الأمم المتحدة هي الشرعية الدولية. هيئة انسانية! قد يقول قائل بان فكرة اصلاح الأمم المتحدة هي الأجدى، ولذلك ناقشت قمة الالفية في نيويورك عام 2000 هذا الأمر وناقشت جملة من الاقتراحات التي تستهدف ترميم الشروخ التي ظهرت في جدران الثقة الممنوحة الى منظمة الأمم المتحدة، فهناك حديث عن توسيع مجلس الأمن بل واستبعاد دول بعينها منه واستبدالها بأخرى مثل اليابان وألمانيا اللتان اصبحتا قوتان يخشى بأسهما ويعمل لهما ألف حساب، بينما دول أخرى مثل بريطانيا وروسيا فقدتا الهالة التي كانت لهما كدول عظمى لكن غاب عن بال من يقول بذلك أن المناقشات التي جرت في هذا الشأن، لم تتحرك قيد أنملة أنها مناقشات امتلأت بها الساحات، وصدرت بها بيانات بشتى لغات الأرض.. ثم لا شئ بعد ذلك! ولئن كانت الولايات المتحدة تحرص - بشكل ما - على بقاء هذه المنظمة بصورتها المهلهلة الحالية، فلكي تظل ورقة التوت التي تلجأ اليها في المواقف المختلفة لتستر بها عورتها، وأنانيتها.. ثم انها تريدها بشرط أن تكون غطاء لقراراتها فحسب، وهي - في ذات الوقت - لا تحتمل أن يكون هناك «فيتو» أخر غير الفيتو الأميركي، أما الفيتوات« الاخرى، فلا «جدوى» لها في المنظور الأميركي لأن الواقع الدولي الجديد الذي نشأ بعد سقوط حائط برلين في 9 نوفمبر 1989 قد أفرز دولة واحدة عظمى هي أميركا، ومن ثم فلا مجال للحديث عن دول أخرى. لئن كانت الأمم المتحدة كمنظمة جاءت لتتواكب مع واقع مابعد الحرب العالمية الثانية، لتستوعب تداعيات الحرب الباردة بين العملاقين أميركا والاتحاد السوفييتي، فواقع اليوم اصبح مغايرا فليس هناك سوى قوة عظمى وحيدة، تعيش حربا باردة جديدة تقف فيه هذه القوة في ناحية بينما تقف دول العالم أجمع في الناحية المقابلة.. وهذا معناه أن الأمم المتحدة اذا أرادت البقاء يتعين عليها أن تستوعب هذه المتغيرات فلا تكون فيها ارادات وانما ارادة واحدة وهي ارادة الأقوى (أميركا).. والا فانهيار هذه المنظومة الدولية سيكون هو المصير المحتوم. واذا علمنا ان الولايات المتحدة تدأب منذ فترة على افساح المجال امام ذراعها الحديدي القوى (حلف الناتو) على حساب تقليص دور الأمم المتحدة في قضايا عديدة في العالم، ثم اهمالها لاجتماعات مجلس الأمن التي يرى كولن باول وزير الخارجية الأميركي بأنها أصبحت غير ذات جدوى.. أقول اذا علمنا كل ذلك ادركنا على الفور اننا نقترب من لحظة الحقيقة التي تعلن فيها وفاة الامم المتحدة كي ينبعث في الظلام الدولي الحالك الذي بلغناه الآن، شعاع صغير يؤذن بولادة منظمة جديدة يكون القرار الدولي فيها حكرا على الولايات المتحدة دون منازع، أو على الاقل تكون مجرد هيئة انسانية لاغاثة المتضررين من بطش القطب الأوحد. ـ خبير في العلاقات الدولية - مصر