السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 فجأة تهطل صواريخ كروز وتوماهوك على أهداف استراتيجية موزعة في الأراضي السورية يتبعها انهمار لقذائف من زنة طن. وبعد عشرة ايام من قصف مكثف يسوي بالأرض، قواعد جوية وقواعد دفاع جوي ومراكز اتصالات ومراكز قوات مقاتلة وجسور.. ألخ تعبر عشرات الالوف من القوات الأميركية الحدود السورية من الأراضي العراقية صوب دمشق لاحتلالها. وبعد اسابيع تقام حكومة تحت ظل الاحتلال الأميركي توقع مع إسرائيل «معاهدة السلام السورية الإسرائيلية» بشروط الدولة اليهودية وفي مقدمتها تنازل سوري نهائي عن هضبة الجولان واقامة تبادل دبلوماسي بين الدولتين. هل يبدو هذا السيناريو مستبعداً ومستحيلاً؟ اذا كان الأمر كذلك فان سيناريو ضرب العراق والاطاحة بنظامه الحاكم واقامة إدارة احتلالية أميركية في بغداد تمهيداً لتنصيب حكومة عراقية عميلة كان يبدو حتى قبل بضعة شهور مستبعداً ومستحيلاً. ولنعترف لأنفسنا انه مع غزو العراق دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة.. مرحلة تطبيق مخطط «إسرائيل من النيل إلى الفرات». واذا كان العراق هو البداية فان سوريا لن تكون النهاية. وفي هذا الصدد يقول شارلس كراوتامر الكاتب الصحفي الأميركي الذي اشتهر بأنه لسان حال المجموعة الصهيونية داخل إدارة بوش التي يطلق عليها «مجموعة المحافظين الجدد»: اذا تحول العراق إلى دولة خاضعة للغرب.. واذا تحول إلى بؤرة للنفوذ الأميركي فان وجودا أميركياً في العراق سوف يكون مقدمة لقهر كل من سوريا وإيران. «مجموعة المحافظين الجدد» التي يتزعمها وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد وديك تشيني نائب الرئيس الأميركي هي القوة الحقيقية التي تنفرد بتسيير التحرك الخارجي لإدارة بوش منذ احداث سبتمبر 2001 وهي بدورها تمثل تحالفا بين المؤسسة اليهودية الأميركية وتنظيماً لليمين المسيحي المتطرف يرفع راية صهيونية برز بشكل قوي من بين التداعيات السياسية الداخلية لاحداث سبتمبر. ووفقاً للرؤية الأساسية لهذه المجموعة النافذة فان المناخ الذي أفرزته هجمات سبتمبر يوفر أفضل ظرف لدمج إسرائيل في العالم العربي والإسلامي لتتقبلها الشعوب العربية والإسلامية كقوة مهيمنة في منطقة الشرق الأوسط تسيطر عليه اقتصادياً وثقافياً وسياسياً. بناء على هذه الرؤية وضع برنامج وصفه الكاتب الصحفي الأميركي ذو النزعة الاستقلالية وليام فاف بأنه برنامج لاعادة صياغة الثقافة السياسية للشرق الأوسط الإسلامي بالوسائل العسكرية اذا دعت الضرورة. فماذا يعني هذا البرنامج على الصعيد التطبيقي؟ ان الثقافة السياسية السائدة في العالم العربي والإسلامي لمدى 55 عاماً متصلة منذ قيام الدولة اليهودية على الأرض الفلسطينية في عام 1948 تقوم على معاداة الصهيونية ورفض الوجود الإسرائيلي ومعاداة الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى التي توفر الرعاية والحماية الضروريتين ليس فقط لبقاء الدولة الإسرائيلية بل أيضاً لضمان تفوقها الاستراتيجي. ورغم اعتراف دولتين عربيتين مجاورتين لإسرائيل بهذه الدولة اليهودية عبر معاهدتي سلام وتوقيع اتفاقية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية فان الرفض الشعبي العربي العام للدولة اليهودية لم يتغير، بل وازدادت حدته. هذه الثقافة السياسية العدائية ينبغي ان تتغير من منظور مجموعة «المحافظين الجدد» الذين يحددون توجهات واتجاهات إدارة بوش. والتغيير ينبغي ان يحدث بوسيلة القوة العسكرية اذا دعا الأمر. وما نشهده الآن هو التطبيق العملي لبرنامج «التغيير». فغزو العراق ليس هو نقطة البداية. بعد احتلال العراق وسلبه سيادته الوطنية يأتي دور سوريا لحملها على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل بالشروط الإسرائيلية. وبعد سوريا يأتي دور لبنان مباشرة من اجل تصفية «الخطر» الاستراتيجي المتمثل في «حزب الله» ومن ثم احياء مشروع الدويلة المسيحية المارونية على أرض لبنانية. وبعد سوريا ولبنان يأتي دور إيران لاجبارها على التخلي نهائياً عن اي أجندة تتصل بالصراع العربي الإسرائيلي. وهكذا تمضي الآلة الاستراتيجية الأميركية في اتجاه اخضاع العالم العربي والإسلامي لسيطرة إسرائيلية دائمة مدعومة أميركياً. فليستيقظ النائمون.