السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 لم يكن للراقصة الشرقية أن تبدأ بهز جسدها الممتلئ شحما وشهوة مؤدية ما عليها إلا بعد أن تعطي ظهرها للصالة وتنحني أمام صورة الزعيم «الأوحد» المعلقة ورائها في أشهر «كباريه» في بغداد.. ولم يتعجب أعضاء الوفد البرلماني المصري الذي كان يتناول عشائه.. فكل ما حولهم ينحني مقدما فروض الطاعة والولاء لصدام حسين.. فلا يوجد مبنى واحد في العراق لا يعلق صورته. لكن لا أحد ينكر أن كل صورة تناسب المكان المعلقة فيه.. فهو يرتدي صورة الجنرال في صورته المعلقة على المباني العسكرية.. وهو يتكلم في التليفون في صورته المعلقة على مبنى وزارة المواصلات.. وهو يحرص على الزي البدوي التقليدي في صورته المعلقة في خيام العشائر والقبائل .. وما لم تحققه الصور المطبوعة للنجم.. سوبر ستار.. راحت التماثيل البرونزية تبرزه وتضخمه.. على أنه كان في حاجة إلى نحو أربعة آلاف تمثال ليحقق ما يريد. شئ ما في نفسية الحاكم الديكتاتور يؤرقه ويشعره بتأكيد ذاته ووجوده في كل مكان.. بالصورة والأغنية.. بالتمثال والمقال.. بالدعاء وأجهزة المخابرات.. فالدنيا تبدأ بإبتسامته وتنتهي بهزيمته.. وأنهار بلاده تنبع من عيون كلماته وتصب في دلتا أحزانه.. شئ ما في صدام حسين جعله ينفرد بجائزة الديكتاتور الأعظم.. هل هو جنون العظمة؟ هل هو تهاوي البشر سحقا تحت حذائه؟ هل هو اضطراب مزمن في شخصيته جعله يؤمن بأنه لا يموت.. ولا يشيخ.. ولا يرحل فتصرف وكأن لا أحد غيره يستحق البقاء؟ لا نملك سوى الطفولة مخزنا للسر والتفسير.. على حد تحليل الدكتور جيرولد بوست الخبير في تحليل نفسية الحكام والزعماء والذي يعمل من أكثر من عشرين سنة في خدمة وكالة المخابرات المركزية الأميركية والحائز لجائزتها الخاصة التي تمنحها لأفضل الدراسات والتقارير التي قدمت إليها وإستفادت منها.. أما الدراسة التي جعلت هذه الجائزة من نصيبه فكانت عن تحليل شخصية الرئيس أنور السادات خلال مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.. وهو يرأس جمعية السيكولوجية السياسية وهي تتخذ من مدينة بتيسيدا في ولاية ميرلاند مقرا لها. وقد قضيت نصف نهار هناك منذ عامين.. في وقت كان جورج بوش قد استقر في البيت الابيض.. وكان واضحا أن صدام حسين يحظى بإهتمام مطلق من دراسات الجمعية ولم يكن من الصعب الحصول على بعضها كذلك كانت هناك مؤلفات تشرح القضية بإتساع مثير للإستماع كتبها الدكتور جيرولد بوست مثل: «عندما يصيب المرض الزعيم: مأزق الملك الأسير «الصادر عن جامعة» ييل عام ,1993. ومثل: «جنون الإرتياب السياسي: قضايا الكراهية السيكولوجية» الصادر عن الجامعة نفسها عام ,1997. ومثل: «التقييم السيكولوجي للزعماء السياسيين» الصادر عن جامعة «ميتشجان» العام الماضي. مثل كل علماء النفس يفتش الدكتور جيرولد بوست في طفولة صدام حسين ليحصل على مفتاح شخصيته.. إنه ليس مجنونا.. ولا متهورا. ولكنه. يستخدم كل ما هو متاح أمامه لتحقيق أهدافه.. بما في ذلك اللين إذا ما أجبر على موقف لا يستطيع المضي فيه إلى نهايته. لقد قال إنه لن يحتل الكويت واحتلها.. وقال إنه لن يسمح لمفتشي الأمم المتحدة بدخول القصور الرئاسية وسمح.. وقال إنه لن يفجر الصواريخ سكود وفجرها.. وقال إنه سيقاوم حتى الموت ولم يقاوم. وهو أمر طبيعي لرجل كان كل شئ في طفولته يجبره على أن يفعل ما لايريد.. أن يستسلم لما لا يقدر عليه. لقد تحمل في صغره ما يمكن تسميته بالطفولة «الأكثر إثارة للرعب».. فعندما كانت أمه حاملا فيه مات أبوه بالسرطان.. وقبل أن تلده بشهر واحد مات أخوه الوحيد (12سنة ) بالسرطان أيضا.. وهو ما اصاب الأم بحالة من الحزن الشديد جعلتها تفكر في الاجهاض والإنتحار. لكن.. شيخ الجامع أقنعها بأن تظل على ما هي عليه، وإستجابت للنصيحة وإن شعرت بينها وبين نفسها بأن الطفل القادم سيكون نحسا على عائلته.. وتأكد لها ذلك يوم جاءها المخاض.. فلم يكن في بيتها كسرة خبز.. ولا شربة ماء. ولا غطاء يحميها من قسوة المناخ.. كما أن صدرها لم يستجب لحاجة الطفل إلى الحليب. ومرة أخرى فكرت الأم في قتل نفسها وقتل طفلها.. لكنها في اللحظة الأخيرة.. تراجعت مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم.. دون أن تدرك إنها قد أنجبت الشيطان الرجيم نفسه. خلال الثلاث سنوات الأولى من حياته رعاه خاله.. وما أن دخل عامه الرابع حتى تزوجت أمه من أحد أقاربها البعيدين.. وأخذت صدام في يدها.. لكن.. عالم أشد من جنون القسوة كان ينتظره في بيت زوج الأم.. كان الرجل يؤلمه نفسيا وجسديا. ويعتقد الدكتور جيرولد بوست بأنه تعرض إلى نوع غير مألوف من الاعتداء البدني جرح ذاته وترك آثارا واضحة عليه.. على أنه بشكل لا واعي شعر أن أمه هي المسئولة عن ما جرى له.. فكرهها.. وتمنى موتها.. وهذه أخطر مسألة نفسية وصل إليها.. فعندما تتعقد العلاقة بين الإنسان وأمه فإنه غالبا ما يقطع مشواره في الحياة بسرعة مذهله ودون التفات إلى عدد الضحايا الذين يسقطون على جانبي الطريق.. عندما تتعقد هذه العلاقة فإن لا شئ يهز مشاعر الإنسان.. فالذي يتمنى قتل أمه لا يهتز لقتل كل سكان العالم.. إن الأم هي سقف الرحمة.. ومنبع الحنان. ومصدر التوازن النفسي والعقلي.. وعندما يثقب هذا السقف فالدم يصبح شهوة.. والإنتقام يصبح فضيلة.. والذبح يصبح عبادة وصلاة يومية.. إن تاريخ الطغاة يبدأ بعقدة ما تجاه الأم.. يصبح بعدها كل شئ مباحاً وممكناً وسهلاً.. إن ذلك يعكس هشاشة داخلية تعكس نفسها في صور وتماثيل لا تحصى في الشوارع والمباني والجرائد وقصائد الشعر ولوحات الفنانين وبرامج التلفزيون وكتب التاريخ.. إنه الحب بالأمر.. والاعجاب به تحت تهديد السلاح. في سن العاشرة طلب صدام أن يذهب إلى المدرسة.. ولكن طلبه رفض. فهرب إلى خاله بحثا عن ملاذ آمن يطمئنه وسط أمواج عصيبة قاسية لم يكن قادرا على النجاة منها. وأخذه خاله إلى بغداد.. في وقت كان المد القومي فيه على أشده.. وفي وقت كان فيه جمال عبد الناصر زعيما لامعا يستقطب الجماهير ويغري ملايين من شباب السياسيين بتقليده والسير على طريقه. وقد كان خال صدام حسين معجبا به.. وزرع في ابن اخته أحلام المجد على طريقته. وتمنى أن يرث زعامته.. وهو حلم سعى إلى تحقيقه جيل كامل من السياسيين العرب حتى وإن لم تكن نفس المؤهلات الإنسانية والشخصية التي كان يتمتع بها جمال عبد الناصر.. وهذه على كل حال مأساة التقليد.. وكارثة التشبه بالغير.. وعقدة أن نكون مثل غيرنا دون مراعاة الاختلافات السياسية والجغرافية والنفسية. يقول الدكتور جيرولد بوست: إن الغرب قد استخف بصدام حسين واعتبره رجلا مجنونا.. لقد كانت الولايات المتحدة في حاجة إلى زعيم مجنون في الشرق الاوسط.. فوجدت في الرئيس العراقي هذا الوصف الازدرائي الذي لا يتسم بالدقة وإنما يتسم بالخطر.. فهذا الوصف ضلل كل الذين تابعوه أو تعاملوا معه.. وضلل حساباتهم وقراراتهم.. فهو «يظهر التطرف في استغراق الذات والإحساس بالعظمة دون استيعاب لآلام الآخرين.. ولا يولي أهمية لخصومة وهو متفائل أكثر مما يجب بشأن فرص نجاحه ولا يظهر أي تردد ويعتقد أن اعداءه يلاحقونه في كل مكان. لقد أسيئت معاملته كطفل ولم يسمح لأحد بإساءة معاملته ثانية.. وهو ما يعوض عنه بالعنف الشديد.. وهو لم يصعد إلى السلطة كرجل عسكري وإنما كقاتل غير محترف.. فقد فشل في محاولة اغتياله لعبد الكريم قاسم في عام 1959 وجرح برصاصة «صديقة» من أحد رفاقه.. وفي عام 1968 خطط لإنقلاب ضد عبد السلام عارف بمساعدة رئيس المخابرات عبد الرازق النايف. ولكن.. ما أن أصبح صدام حسين في السلطة حتى تخلص من الرجل الذي ساعده.. فقد اغتاله بعد عامين من توليه السلطة.. وتلك هي واحدة من قواعد صدام حسين «لا تثق أبدا بمن يشترك معك في مؤامرة».. وعندما أصبح نائبا للرئيس أحمد حسن البكر قام بإزاحته بعد 3 سنوات فقط.. ويعتقد أنه مات مسموما. ويعتقد الدكتور جيرولد بوست ان أهم مصادر ثقافة صدام حسين فيلم «الاب الروحي» الذي يروي كيفية الصراع والسيطرة في عائلات وعصابات المافيا.. يضاف إلى ذلك إنه قد أحاط نفسه بالمنافقين وغير الموهوبين.. «وهذه مشكلة كبرى أخرى أدت به إلى أن يكون بعيدا عن الواقع من الناحية السياسية والاجتماعية.. إن كل من حوله يقولون له ما يريد أن يسمع لا ما ينبغي له أن يسمع».. إن ذلك جعل العراق تخسر 193 مليار دولار بسبب العقوبات المفروضة عليه بعد حرب الخليج الثانية.. بل إن هذه الحرب وقعت بسبب تصوره الخاطئ بأن الولايات المتحدة لن تحارب خوفا من تكرار عقدتها في فيتنام.. كما أنه تصور أن القصف الجوي سيفجر الاحتجاجات في البيت الابيض والبنتاجون ويجعل منه بطلا قوميا في العالم العربي لوقوفه ضد الولايات المتحدة. وقد خرج صدام حسين من الحرب في أضعف أحواله. عمليات تفتيش مذلة على الاسلحة. مناطق يحظر فيها الطيران.. هروب متزايد من الخدمة العسكرية. غضب مكبوت في مناطق الشيعة في الجنوب والاكراد في الشمال. ولم يكن أمامه لإستعادة لياقته السياسية وسطوته الامنية سوى أن يمارس العنف على أوسع نطاق في الداخل. وهنا ظهر نفوذ أسرته. إن ابنه الأكبر «عدي» كان يعرف بالشخص «الشرير» في العراق.. وقد ضرب شخصا في عائلته حتى الموت علنا في حفل كان يبث على الهواء مباشرة. فقام أبوه بسجنه وإحالته إلى محكمة الجنايات.. ولكن عائلة الضحية ناشدت المحكمة الافراج عنه. فأطلق سراحه ونفى إلى سويسرا ليقضي فترة العقوبة هناك وبعد شهور قليلة عاد إلى بغداد. وقبل ذلك أطلق النار على عمه غير شقيق أبيه وأصابه في ساقه. وأغلب الظن أن صدام لم يكن ليقدر على كبح جماح أبنه فأحرق له جراجا كان عدي يحتفظ فيه بأغلى وأندر السيارات.. بل أن صدام عاقب ابنه بطريقة مثيرة للدهشة وهي انه قام بدس السم إلى جواده المفضل في مزرعة خيول كانت تضم 1500 حصان. إنها طريقة تستحق الإنتباه التي كان يتعامل بها صدام حسين مع أبنائه وأفراد اسرته.. لقد تعرض عدي إلى محاولة اغتيال جعلته طريح الفراش ستة أشهر لم يزره خلالها صدام حسين إلا بعد أن شفى.. و«يقال إنه إذا أراد أحد من أبنائه رؤيته كان يجب عليه أن يقدم طلبا مكتوبا وغالبا ما كان ينتظر أسابيع حتى يسمح له بذلك».. ولو كان يتعامل مع أسرته على هذا النحو فإنه ليس صعبا أن نستوعب ما فعله في شعبه.. لقد كانت القسوة هي سر صعوده.. وسر شهرته العالمية.. وهو ما ورط بلاده في حرب.. ولكن.. من عاش بالسيف.. بالسيف مات.. أوما عاش بالقسوة والبطش. بالحذاء إنتهى.. هذه نهاية كل ديكتاتور.. مهما طال عمره في السلطة.. ومهما كانت براعته في البقاء. ـ كاتب مصري