السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 أمس الأول مرت ذكرى السابع عشر من نيسان (ابريل) عيد جلاء آخر جندي عن سوريا، مرور الكرام دون أن ينتبه إليها أحد ودون أن يحتفل بها أحد كما جرت العادة طيلة 57 عاماً ماضية. والاحتفال بذكرى الجلاء كان احتفالاً مهيباً داخل سوريا وخارجها حيث كانت الثورة السورية واحدة من الثورات الكبيرة في الوطن العربي وساهمت في بنية وجدانية عالية للتحرر والعيش بكرامة واستقلال. لكن احتفالات الجلاء تراجعت عاما اثر عام ليس في سوريا وحدها، بل في جميع جلاءات الوطن العربي، وكانوا في المدرسة انذاك يقولون لنا ان الاستعمار خرج من الباب وعاد من النافذة، وكنا لا شعوريا ننظر الى الباب أولا فنجده مغلقا علينا داخل الفصل، ثم نلتفت الى النافذة لنرى ربيعا في الخارج تفصلنا عنه نافذة زجاجية حيث شمس ومساحات خضراء وطيور تملأ السماء رفيفا وغناء. ولكن كنا نبحث عن الاستعمار.. تلك الأيام كنت اسير صوب مدرستي الاولى في اقصى الشمال السوري مخترقا سوق البلدة حيث كانت الاعلام السورية تزين واجهات الدكاكين ولافتات عملاقة من الجدار الى الجدار تقول: عيد الجلاء عيد كل الاحرار. وكانت مصابيح ضخمة تنتشر في مواقع مختلفة من السوق تتلألأ في وضح النهار فأدرك ان حدثا كبيرا يدعوني للسعادة والحبور، حيث اسأل المرحوم علي حداد (استاذي في الابتدائية): ـ بكرة عطلة؟ ـ نعم يا ابني بكرة عيد الجلاء. وهكذا احببت هذا العيد، وكانت اسبابي فيه كثيرة، الا ان ابرزها انني في السابع عشر من نيسان (ابريل) لم اكن اذهب الى المدرسة، وكان هذا النصر بالنسبة لي يوازي انتصارات سلطان باشا الاطرش قائد الثورة السورية الكبرى، ولا يقل عن انتصارات ابراهيم هنانو قائد الثورة السورية في الشمال. لن اعدد اسباب خفوت فرحة اعياد الجلاء، فالحصيف من التواريخ يفهم، حيث تعرض بلد عربي للاحتلال منذ ايام وسط فوضى عارمة ابرزها سرقة تماثيل ومخطوطات بعضها يعود للألف الثالث قبل الميلاد، ودمرت مكتبات فيها تاريخ العرب حديثا وقديماً وتعطلت الحياة التي كانت ترفد العصر الحديث بشعراء وأدباء وعلماء سيمر وقت طويل حتى نراهم مجددا، اذ ان 25% من اطفال العراق لا يتلقون تعليما! هل سيكون حال العراق افضل مما كان عليه.. اعتقد ان المقدمات تشي بالنتائج، وهل أفضل من مقدمة نهب التراث وطمس التاريخ، والنتائج نتركها للأيام المقبلة. عندما يمر عيد وطني على الانسان ان يتحسس اطرافه جيداً، ففي كل عيد يفقد جزءاً. وهذا العيد فقدنا وطناً. واوطان اخرى مرشحة للفقدان. اللهم أدم علينا هذا السقف وقنا من العلوج والطراطير الاوغاد الذين بحثنا عنهم ذات يوم خلف نافذة مدرستنا الابتدائية البعيدة، فلم نجدهم، الاغلب انهم كانوا يجلسون بقربنا على ذات المقاعد. e-mail: H-S-D@maktoob.com