السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 كل شيء في العراق اليوم قابل لان يكون ساترا لأي شيء. ففي العراق اليوم بامكانك ان تتحدث وترفع صوتك عاليا خلف الذين ينامون في المستشفيات، قريبين من الموت او مخدرين من شدة الالم وغياب الضمادات والمسكنات وسلاندرات الاوكسجين وتصبح بذلك بطلا رقيق القلب حامي حمى المنكوبين! وفي العراق اليوم بامكانك ان تصرخ وتسب اعمال النهب والسلب وحرق المباني وتتحدث باستمرار وبلا انقطاع عن مخلفات الدمار التي تملأ الطرق والميادين لتصبح المناضل ضد الجريمة النكراء وتتوج بتاج السادن الامين. وفي العراق اليوم بامكانك الحديث عن الشقاق والنفاق والفرقة والتمزق والحرب الاهلية المنتظرة، وما فعله النظام السابق وماسيفعله النظام المقبل وما يفعله بينهما الاحتلال الحالي، وحينما تبلغ فراستك وفروسيتك منتهاها تكون انت قد وصلتك القناعة بأنك الوحيد الذي يجب ان يرث العراق بمن عليه. وفي العراق اليوم بامكانك ان تعيّن نفسك في أي مكان، وبامكانك ان تكره من تريد وان تحب من تريد، بل بإمكانك ان تقتل من تريد وان تصفح عمن تريد، ان تقيم قانونك وسجونك وقضاتك ومشانقك في اي زمان واي مكان تريد، وتصبح مهيئا لجر الذاكرة الى العهد القديم وتجد من يهتف لك ومن يصفق لحياتك وبقائك. وفي العراق اليوم بالامكان ان تشي بأفراد النظام القديم وبتابعيه وتنال مكافأة الدولارات فتصبح اطهر وطنيي المرحلة الجديدة، وبامكانك ان تكون من صلب النظام القديم وابنا من ابناء جلاديه فتغير صورتك وصوتك لترفعك ايدي الجماهير على اكتافها وتطوف بك الميادين. وفي العراق اليوم بالامكان ان تتحدث عن السياسية فتصبح احد منظريها، وبالامكان ان تتحدث عن البطولات فتكون احد ابطالها، وبامكانك ان تتحدث عن الثقافة المنهوبة فتصبح احد اهم رموزها في المرحلة الجديدة. كل شيء في العراق اليوم قابل للستر، قابل ان يكون السرج، قابل ان يكون الخدعة. كثر الدجالون في العراق وحوله وصار الخوف عليه اكثر واشد من الخوف عليه ايام سقوط القنابل والصواريخ. للعراقيين الشرفاء الاتقياء الاصفياء النظيفين من جرم المرحلة السابقة وقذارة المرحلة اللاحقة، كونوا لعراقكم فقط.