السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 علينا أولاً أن نعرف، وعلينا ثانياً أن تقودنا المعرفة للوعي، وعليه فإن الوعي حتماً سيأخذنا إلى الاستعداد ومواجهة التحديات بشكل أكثر نضجاً وأقل غوغائية وتسيباً، فما يحدث على بعد خطوات ـ في العراق تحديداً ـ يعني الجميع، دول الجوار، وجوار الجوار، فما كادت الدبابات الأميركية تنهي جولاتها في انحاء بغداد، حتى بدأت العواصف تهب على سوريا. في الولايات المتحدة الأميركية اليوم حمى تغيير الثقافة السياسية في المنطقة العربية، واعادة تشكيل وبناء شرق أوسط جديد خال من (أسلحة الدمار الشامل)، وأقرب التفاسير للعبارة الأخيرة هو ضمان خلو المنطقة وتطهيرها من كل ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بجراثيم الارهاب التي يمكن ان تفرخ أمثال صدام حسين وأسامة بن لادن وأولئك المتهمين بتفجيرات 11 سبتمبر وما قبلها من تفجيرات طالت المصالح والأهداف الأميركية. والذي يدفع الولايات المتحدة نحو المزيد من حمى تغيير الثقافة السياسية في الشرق الأوسط لضمان أمن واستقرار ومصالح الولايات المتحدة هم في الحقيقة مستشارو الادارة والمفكرون المحافظون المنتمون لتيار المحافظين الجدد وأغلبهم من اليهود الأميركيين، اضافة لنجوم الصحافة من كتّاب الرأي والأعمدة اليومية في كبريات الصحف الاميركية، ويأتي على رأسهم توماس فريدمان من صحيفة «نيويورك تايمز» وبيل كريستول رئيس تحرير «ويكلي ستاندارد» اضافة لمتطرفي الصحافة الاسرائيلية. فمنذ عدة أيام كتب (فريدمان) مقالاً يدعو إلى أهمية الاشتباك العدائي مع سوريا كأسلوب أمثل لردعها وارهابها عن المضي في غيّها باتجاه تبني سياسات معادية لأميركا وموالية لنظام البعث العراقي حتى بعد سقوطه، وقد كانت حملته شديدة جداً خاصة وهو يغمز في قناة سوريا طارحاً أفضل أسباب التهديد، وأفضل أدوات الاشتباك ابتداء من نغمة (احتلال) سوريا للبنان منذ العام 1976 والذي لابد من وضع حد له، كما يقول فريدمان، ذلك ان هذا الوضع هو الذي سيحرر لبنان لتكون القاعدة الحقيقية والمؤهلة أكثر من غيرها لتكون النموذج الأفضل لتحويل مسار العالم العربي برمته ودفعه على طريق التحديث والديمقراطية والعولمة! الاشتباك العدائي هو نصيحة توماس فريدمان للتعامل مع سوريا، لأنه يعني الهجوم عليها كل يوم، وتذكيرها بأخطائها وأوضاعها التي يجب أن تتغير كي تمنح لبنان فرص الانطلاق وتمنح شعبها مستقبلاً أفضل. إذن فسوريا أمام اختبار أو ماراثون تحمل لاستفزازات واشتباك عدائي لن يتوقف حتى تخضع للاملاءات شديدة القسوة، وشديدة الحساسية، والتي تحاول القفز عليها بلياقة المستفيد من درس قاس ما زالت نيرانه تشتعل في الجوار. ومن هنا كان التغيير الوزاري في لبنان كأول اجراء مواجهة لتحدي تداعيات الحرب في العراق، أو كما يقول المحللون بأن استقالة الحكومة واعادة تشكيلها ما هو إلا مسارعة لتكوين حكومة حرب أكثر ولاء لسوريا، انطلاقاً من مثل متداول هو انه إذا بردت سوريا عطس لبنان! الخيوط ستتشابك أكثر في الأيام المقبلة، لكن 25 مفكراً أغلبهم من اليهود كانوا وراء الدفع باتجاه شن الحرب على العراق منذ أكثر من عام، هم الآن يواصلون مساعيهم من أجل استكمال (خريطة الطريق) نحو شرق أوسط خال من الارهاب ومتوافق مع الرؤى والمصالح الأميركية. السؤال المهم في ذلك كله: بعد أن عرفنا ووعينا درس العراق جيداً، كيف ستواجه دول الجوار هذا الاعصار القادم من الغرب؟! لا نتحدث عن حماية النفط أو الاستقلالات الزائفة، ولكننا نتحدث ونتساءل عن أوطان في طريقها للضياع!