السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 يبدو واضحاً للعيان ان العراق يرشح زيتاً مثلما رشح موتاً ودماراً ودماء وديكتاتورية وارهاباً.. والذين تهافتوا يمنة ويسرة عندما دخل الأميركيون وسط بغداد في ظل تبخر النظام واختفائه عن الأنظار أولئك العطاشى الذين سرقوا ونهبوا فرحاً وتشفياً في نظام فاسد أمام عدسات المصورين وكاميرات النقل الفضائي وبحراسة الجنود الأميركيين لا يدركون أنهم يؤطرون صورة اخرى لصراع أشد وأشرس بين الكبار على وليمة العراق النفطية. منذ انحلال الديناصورات والغابات التي كانت ترعى فيها وتحولها الى بترول والكرة الأرضية ترشح زيتاً.. لم يكن هذا الزيت أكثر من ظاهرة طبيعية لا تلفت الانظار، أما اليوم فقد تغير الموقف والشكل والهدف وأصبح الزيت المهمل شرارة الحروب ووقودها! إنه الفتيل الذي تأجج تحت رماد الحرب العالمية الأولى، وأضرم نيران الحرب العالمية الثانية، وهو أحد الأسباب التي ذكرها الرئيس الأميركي الأسبق بوش الأب لعمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء بعد أن هدد الغزو العراقي للكويت بعرقلة التدفق الحر للنفط الى البلدان الصناعية في الغرب، وها هو من جديد يعود سبباً لغزو العراق واحتلاله بعد أن أسقط الأميركيون الديكتاتورية وحلّوا مكانها! لقد حلّ النفط مكان العروش والحدود الوطنية كسبب للصراعات والنزاعات، فالحرب والنفط ملازمان لبعضهما البعض، فأينما يوجد النفط يوجد الصراع، ربما يكون خافياً أو كامناً أو مستتراً تحت أي شكل ووجه، لكنه موجود. كان سكان العراق أو ما بين النهرين في الألف الثالث قبل الميلاد يستعملون القار لتثبيت الغبار في الطرق والمسالك المغبرة وطلاء الزوارق وتثبيت رموش العينين، أما سكان المناطق المحيطة ببحر قزوين فكانوا يستعملون مادة سوداء لزجة لدهن الجمال حتى يمنعوا اصابتها بالطفح الجلدي أو الجرب، بينما كان الفلاحون الرومان يقشطون الوحل الأسود من سطح البحيرات لبيعه كوقود للمصابيح أو زيوت تشحيم عجلات العربات، وعلى امتداد قرون طويلة تحدى السومطريون ظلام أدغالهم بمشاعل مصنوعة من المادة اللزجة نفسها. في خمسينيات القرن قبل الماضي، وفي شمال غرب ولاية بنسلفانيا كان السكان يشكون من تلوث بئر ماء بما يسمى زيت سنيكا، فاغتنم رجل يدعى سام كير هذا الأمر وبدأ بتعبئة الزيت في قنان وبيعها كدواء للشفاء من كل الأمراض تحت شعار مثير يقول: «ثلاث ملاعق يومياً تجعل الكسيح يمشي والقروح تجف»! ووصلت عينة من هذا الزيت الخرافي الى محام شاب يدعى جورج بيسل وكان عضواً في مجموعة تجري اختبارات لمعرفة ما إذا كان زيت سنيكا صالحاً للاضاءة مثل مادة نزلت في الأسواق آنذاك اسمها كيروسين، حيث كان معظم العالم يستضيء بالشموع المصنوعة من شحوم الحيوانات أو المصابيح التي تشتعل بزيوت الحيتان. أحد أعضاء مجموعة بيسل كان يقيم في غرفة مشتركة في أحد الفنادق مع شاب مريض يعمل قاطع تذاكر، وقد استطاع هذا الشاب ان يقنع المجموعة بأن تدفع له ألف دولار سنوياً ليذهب الى بنسلفانيا وينقب عن الزيت، فوافقت وأعطته لقب كولونيل ايضاً لتضفي على شخصه شيئاً من الأهمية والاحترام. وهكذا توجه «الكولونيل» أدوين دريك الى بلدة تيتوسفيل في بنسلفانيا، واقترح وسط القهقهات الساخرة لأهل البلدة ان يحفر بئراً بعمق 1000 قدم، فحفر حتى تدفق النفط من عمق 69 قدماً من أول بئر بترولية في العالم في عام 1859 فتغير بذلك وجه العالم. فمنذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا حيث يسيطر الأميركيون على منابع النفط في العراق ويشددون الحراسة عليها والحروب مستمرة! في سبعينيات القرن قبل الماضي سافر أحد أبناء شقيق ألفرد نوبل صاحب الجائزة التي تحمل اسمه الى بلاد القوقاز لشراء خشب الجوز الذي يستعمل لصنع البنادق، وهناك سمع روايات عن مادة راشحة سوداء تحرق في المعابد فاستثمر الأموال التي يحملها لشراء الأخشاب في حفر الآبار فاكتشف النفط.. وفي سومطرة لفتت انظار هولندي هارب من الأمطار بريق المشاعل التي يستعملها السكان المحليون وكان ذلك في العام 1880 فاكتشف النفط وتأسست على إثر ذلك شركة الملكية الهولندية التي اتحدت لاحقاً مع شركة شل، وهكذا بدأت الاكتشافات تتوالى. كان اكتشاف النفط سهلاً في البداية، فهو موجود حيثما تشاهده، ولم يصغر حجم الكرة الأرضية إلا عندما بدأ البحث عنه في أماكن أخرى، وفي بلدان أخرى، فأصبح العالم في خطر! وظل التنافس خلال السنوات الأولى محصوراً ببارونات النفط الكبرى، لكن سرعان ما تحول النفط الى وقود للمنازعات العالمية، فافتقاد الألمان الى النفط كان من أسباب خسارتهم للحرب العالمية الأولى، وخسروا الحرب العالمية الثانية كذلك لأنهم غزوا روسيا للاستيلاء على النفط. ورغم ذلك البحث المحموم والتهافت على المناطق المختلفة إلا انهم أغفلوا الشرق الأوسط لأسباب عديدة منها ارتفاع درجة الحرارة في الظل، والجفاف والغبار، وخطورة العيش في منطقة قبلية في الأيام الأخيرة للامبراطورية العثمانية، إلا أن نهاية الحرب العالمية الثانية أثبتت ان الدبابات والطائرات والسيارات هي عماد الحروب، وبدون النفط تصبح تلك الآليات جثثاً حديدية جامدة، ومن هنا عادت الصحارى الواقعة تحت الحكم العثماني إلى الذاكرة الاستعمارية لتصبح حتى يومنا هذا نقاط نزاع غالية الثمن! ومثلما أضيئت نوافير الغاز في بلاد ما بين النهرين للترحيب بالاسكندر ذي القرنين قبل مئات السنين، عادت ليالي العراق التي تدفق النفط على ترابها بجنون في العام 1927 لتشتعل عام 2003 بنيران الحرب، فقدر بغداد أن تشتعل بالنفط، والحرب، والسلم، والنزاعات لتعيد الدورة من جديد!