السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 منذ انهيار النظام العراقي السابق واحتلال العاصمة بغداد ومعظم الاراضي العراقية الاخرى، تتابعت الدعوات والتهديدات بضرورة «أخذ العبرة» بما حدث في العراق ، من سرعة الانهيار والسيطرة الاحتلالية الكاملة، بعدما تعرض له من قصف وحرق جوي وتدمير لمختلف المنشآت الحيوية والبنية التحتية عموماً. بعض هذه الدعوات صدر عن مسئولين عرب، ربما بدافع الحرص على ما تبقى من نظام رسمي عربي، وتجنب المزيد من الهزائم العلنية والانكسار المتلفز. لكن اولى هذه الدعوات وأخطرها، جاء على شكل تهديدات صريحة من مسئولين اميركيين ابرزهم وزير الحرب رامسفيلد، انطلاقاً من نشوة الانتصار الذي حققته قواته بوسائل مختلفة بعضها لا يزال غير معروف حتى الآن، وكذلك من شارون واعوانه! ولا شك أن اخذ العبرة واستيعاب الدروس من التاريخ واحداثه امر مطلوب وضروري، خاصة اذا كان الحدث بحجم وكارثية احتلال بلد بأكمله وعاصمة من أعرق عواصم العالم وأكثرها ثراء تاريخياً وحضارياً، واشدها ارتباطاً بوجدان العرب والمسلمين عامة، وبمفاصل تاريخهم الانساني والثقافي والحضاري منذ ما يزيد على 1400 عام! لكن، ما هي العبرة والدروس التي علينا أخذها؟ وكيف ذلك؟ الواضح من الصيغ والتهديدات الشارونية الرامسفيلدية ان العبرة التي يجب علينا أخذها، كعرب ومسلمين، هي ان نتقبل كل المطالب والشروط الصهيونية الاميركية باستسلام كامل وخضوع كلي، دون ادنى مناقشة او استيضاح. وهذا ما يتضح اكثر من خلال التهديدات المتلاحقة بكل استعلاء وصلف التي تتعرض لها سوريا حالياً، من قبل اسرائيل ومن كل المسئولين الاميركيين على مختلف مستوياتهم، من الرئيس بوش وحتى نائب الناطق باسم «البيت الأبيض»، مروراً بكل «الصقور» والغربان والثعالب وباقي فصائل الوحوش والكواسر في الغابة الأميركية. اما العبر الحقيقية التي نرى نحن ان علينا الأخذ بها والاستفادة منها، فهي غير ذلك تماماً بل على النقيض منه. فقد اظهر تتابع الأحداث وتداعياتها جملة من الدروس والعبر بالغة الأهمية والتأثير، وليس هنا مجال تفصيلها، لكن ربما كان بالامكان اجمالها في عنوانين أساسيين: أولهما: ان اعتماد النظرة القطرية الضيقة لا يمكن ان يوفر الأمن الحقيقي والدفاع عن سلامة الأوطان وسيادتها واستقلالها، مهما كان حجم الاحتياطات و«الاسوار» الأمنية، وهو ما ثبت في تجارب سابقة اضافة الى ما حصل في العراق. الثاني، ان انفصال القيادة عن شعبها واحتكارها المطلق لصنع القرار ورسم السياسات العليا للوطن، يجعل هذه القيادة عارية من اي حصانة فعلية او شرعية وطنية تمكنها من الصمود في مواجهة أي عدوان او خطر خارجي، مما يعرض اي قيادة من هذا النوع لمصير مشابه لما حصل للقيادة العراقية السابقة، فضلاً عن ضياع الوطن واغتصاب سيادته وحريته. ورب ضارة نافعة، فقد تدرك القيادات والشعوب معاً، اكثر من اي وقت مضى، ان مصيرها اكثر ارتباطاً ببعضها، وأن سلامة الوطن وتأمين مصالحه العليا، هي التي تضمن في النهاية أمن القيادة وسلامتها، والعكس غير صحيح على الاطلاق!