السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 لم تكد الادارة الأميركية تشعر بقرب النصر العسكري في حربها على العراق دون أن تنتهي من عملياتها بعد، حتى راحت تفتح ملفات صراع أخرى مع سوريا وكوريا الشمالية، قد تنتهي الى مواجهات مسلحة، مكرسة بذلك نهجاً جديداً وخطيراً في العلاقات الدولية يقوم على أولوية الأداة العسكرية في تسوية أي خلاف سياسي أو ما يعرف بدبلوماسية البوارج الحربية! غير أنه وفيما يبدو ترتيبا للأولويات ولاعتبارات تتعلق بتعقد الأزمة الكورية قررت واشنطن اعتماد خيار: سوريا أولا! الملفت للنظر في الموقف الأميركي هو التصعيد المفاجئ والذي وصل بالموضوع الى مستوى الأزمة والحديث عن بحث عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على سوريا وهو ما استدعى تطمينات بريطانية وقيام موفد لبلير بزيارة سوريا والالتقاء مع الأسد وإن كان ذلك لا ينفي مسايرة لندن لواشنطن في موقفها. ولعل أول ما يلاحظ بشأن الاتهامات الأميركية لسوريا تقليديتها فهي نفس الاتهامات التي وجهت للعراق وتم على أساسها عملية الغزو، مايؤكد أنها ليست سوى ذريعة تستخدم لتحقيق الأهداف الأميركية، ومن الواضح أن ادارة بوش في ظل ادراكها لقوتها لم تعد تأبه بالتدليل على صحة الاتهامات والتجربة الطازجة في العراق تؤكد ذلك حيث لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل - حتى الأن - كما زعمت الولايات المتحدة وهو ما دفع قادتها وعلى رأسهم بوش الى الاعلان عن أن الهدف الرئيسي لغزو العراق إنما كان تحرير شعبه من نظام حكم صدام! في محاولة تفسير التوجه الأميركي الجديد نحو دمشق يمكن القول أنه يمثل محاولة لطى ملف أزمة سابقة هي الأزمة العراقية بكل مخلفاتها - وهي مخلفات تدين الموقف الاميركي - بافتعال أزمة جديدة وهو ما يعنى القبول الدولي ببقاء العراق رهينة في الأيدي الأميركية مقابل التخلي عن قضم سوريا. كما يأتي هذا الموقف على خلفية مواقف دمشق من الحرب على العراق حيث كانت هذه الاخيرة من اكثر الدول العربية معارضة للحرب، الى جانب مطالبتها بضرورة الاسراع بخروج القوات المحتلة من العراق عقب ما بدا أنه حسم للموقف لصالح القوات الأميركية البريطانية . هذا فضلا بالطبع عما يمكن أن تلعبه سوريا من ازعاج للقوات الموجودة في العراق في مرحلة ما بعد الحرب من خلال دعمها المعنوي إن لم يكن المادي لعمليات المقاومة انطلاقا من رؤيتها بعدم شرعية الحرب وهو ما يعززه اعلان القيادتين الأميركية والبريطانية أن عمليات المقاومة التي تواجهها في الأيام الأخيرة ليست من قبل عراقيين وإنما من قبل مقاتلين عرب أغلبهم من سوريا فضلا عن كونه يأتي في سياق الخطة الأميركية لصياغة جديدة للأوضاع في الشرق الأوسط بما يحقق مصالحها من خلال القضاء على أي بؤر يمكن أن تمثل معارضة للسياسات الأميركية. الى جانب ما سبق فإن الموقف الأميركي يمثل في رأينا ما يمكن اعتباره ادارة أزمة بالوكالة من خلال نيابة الولايات المتحدة عن اسرائيل وهنا فإنه مما يشير الى الارتباط الواضح بين الأهداف الأميركية واسرائيل حرص هذه الأخيرة على استغلال أجواء الأزمة التي تلوح في الأفق لطرح ما أسمته قائمة من المطالب تشمل سحب مقاتلي حزب الله الذين تدعمهم دمشق من جنوبي لبنان معتبرة على لسان وزير دفاعها موفاز أنه من المناسب أن يتم ذلك عبر الأميركيين،فضلا عن وقف دعم دمشق لمنظمات المقاومة الفلسطينية التي تستضيفها على أراضيها،واستغلال هذه التطورات في تمرير تسوية للقضية الفلسطينية على النحو الذي ترفضه دمشق فضلا عن فرض صلح على سوريا لا يلبي مطالبها في الجولان وهو مايعني في التحليل الأخير تصفية الصراع العربي الاسرائيلي تماما على النحو الذي يحقق أهداف الدولة العبرية. مجمل القول أن التوجهات الأميركية الأخيرة تجاه سوريا إنما تمثل ورقة ضغط قوية تنطلق من الرغبة في استثمار الوضع القائم والذي يلعب لصالح الجانب الأميركي إثر الحرب على العراق التي فتحت شهية الولايات المتحدة لمواصلة ما بدأته في افغانستان وتلته بالعراق. ومما يشجع الادارة الأميركية على ذلك التوجه التراخي في الموقف الدولي الرافض لفرض أحاديتها ولعل أبلغ دليل على ذلك ترحيب قادة الدول الثلاث الرئيسية المعارضة للحرب وهي فرنسا وألمانيا وروسيا باسقاط حكم صدام وهو ما يعني ـ ضمنا ـ الإقرار بشرعية الحرب والرضوخ للرؤى الأميركية. ورغم ماسبق إلا أن الأمر في تصورنا قد لا يصل في المدى القريب الى حد اللجوء الى العمل العسكري ضد سوريا في ضوء الدعوات من قبل العديد من الجهات الاميركية الى أن تكون الحرب على العراق الوحيدة من نوعها في عهد بوش وألا تكون الطلقة الاولى لسلسلة حروب وقائية ودعوة هذه الجهات الرئيس الأميركى الى تهدئة المخاوف والقلق من القوة الأميركية وتبديد الشكوك ازاء المطامع الأميركية في ضوء ما وعد به بوش لدى توليه مهام الحكم بأن يكون متواضعا في ادارته لدور القوة الأميركية الهائلة في الشئون الدولية.غير أن ذلك قد لا يحول تماما دون العمل العسكري إزاء ما قد تتطور اليه الأزمة،وقد يغري تواجد القوات الأميركية بالمنطقة ادارة بوش بهذا الأمر انطلاقا من محدوية تكلفتها والتوقعات بغياب معارضة دولية على شاكلة تلك التي انطلقت بشأن العراق وهي المعارضة التي كانت تخبئ وراءها صراعات مصالح اقتصادية. وإزاء هذا النهج الأميركي الجديد يبدو واضحا أن المطلوب وقفة دولية لترشيد السياسة الاميركية، واذا كان المحور المناهض لهذه السياسات،ممثلا في باريس وبرلين وموسكو،ما زال في مرحلة يبدو فيها ينطلق من مصالحه التي لم تضار حتى الأن فإن اطلاق العنان للخطط الأميركية لا شك أنه سيلقي بتأثيراته على هذه المصالح ولعل أبرزها حتى الأن الدعوة لاعادة تشكيل مجلس الأمن او انشاء منظمة دولية جديدة تستبعد بعض الدول دائمة العضوية وهو ما يقتضي من هذه العواصم التخلي عن الرؤي الآنية لمصالحها ولعب دور فاعل في صياغة شكل وسياسات النظام الدولي خاصة في ضوء ما يمكن أن تؤدي اليه هذه السياسات من اتساع حالة عدم الاستقرار في النظام الدولي. ورغم أن الصراع يدور على أرض وموارد عربية فقد يكون من قبيل الانشاء التعويل على دور عربي ذلك أن حال العرب حسب التوصيف الدقيق الذي قدمه محمد حسنين هيكل في مقال أخير له أصبح لا حول لهم ولا قوة فهم في الرؤية الاميركية لا خوف عليهم ولا و خوف منهم .. وتلك هي المأساة!