السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 جاء الإعلان الأميركي باستهداف سوريا بعد العراق بأسرع مما ظن أكثر المتشائمين من كارثة سقوط بغداد، فلم تستقر القدم الأميركية في أرض الرافدين حتى كانت صيحات التهديد والوعيد باتجاه دمشق. سيل التصريحات الأميركية التي تحمل بيانات الحرب انهالت على مدى الأسبوع الماضي ضد سوريا رغم ان الحملة على العراق كانت لا تزال رائحة البارود تفوح منها. الايادي الإسرائيلية في التصعيد تجاه سوريا غير بعيدة بل معلنة مثلما كانت ذات الايدي تدفع منذ سنوات صوب خراب العراق ورغم بوادر الانفراجة التي تمت بواسطة اسبانية إلا ان ذلك لا يجب ان يلهينا عن ان سوريا موضوعة على الأجندة الأميركية في اطار مشروع واسع لتغيير خريطة المنطقة واحداث سلسلة من الهزات التي لن تفلح معها تهدئة مرحلية ذراً للرماد في العيون وحتى لا يظهر الكاوبوي الأميركي على هذا النحو الفج المتعطش للدماء العربية وبما يشكل احراجاً اكبر للخارجية الأميركية المثقلة بغضب دولي فجرته الحرب على العراق. ربما تساور البعض اوهاماً من ان سوريا غير العراق وان الوضع هناك مختلف كلياً عن الظرف العراقي الذي شكلت حرب الخليج الثانية مفتاح الكارثة التي حلت بأبنائه فيما بعد، لكن النوايا الأميركية الظاهر منها والخفي منذ احداث 11 سبتمبر اللعينة تشير إلى ان الخارطة العربية كبيرها وصغيرها على الطاولة. الاندفاع الأميركي الذي القى خلف ظهره كل الاحتجاجات الدولية والتوسلات العربية وهو ذاهب إلى العراق يجب ألا ينسينا ان ترويض سوريا وحصارها بفوهات المدافع الأميركية الرابضة في العراق شيء جدي وليس مجرد تهديد عابر يمكن الالتفاف عليه. وعلى اساتذة وجنرالات التحاليل السياسية والعسكرية العرب الذين تبخرت سيناريوهاتهم مع سقوط بغداد، الا يدلوا بذات الدلاء في الأزمة مع سوريا وبما يجعلنا نصحو ذات يوم على كارثة جديدة، ولا نريد من هؤلاء الحديث الاجوف عن كلفة الحرب، والخسائر التي تنتظر الأميركيين اذا ما لوحوا بالعصا نحو دمشق. الحقائق وحتى الالغاز التي خلفتها الحملة العسكرية الاميركية على العراق وحقيقة وجودهم فوق الأراضي العراقية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، تجعلنا لا نستبشر خيراً من استدعاء سوريا إلى واجهة التهديد والتصعيد الفوري أميركياً وبالتالي لا نريد الاستكانة إلى أوهام الماضي واعتبار الأمر مجرد قرصة أذن تعود بعدها الحياة إلى طبيعتها. نحن امام واقع كارثي بدأ بالعراق ولن يتوقف عند سوريا فكل العواصم العربية باتت عرضة لرياح التغيير الأميركية العاتية التي يبدو انه لا يجدي الانحناء أمامها حتى تمر، فقد يبست الاعواد العربية في سنوات القحط الفائتة ولم تعد قادرة على المزيد من الانحناء دون اقتلاعها من جذورها التي عرتها العواصف المتتالية. والسؤال ماذا يفعل العرب والكل يعرف البئر وغطاءه ولم يعد هناك شيء خاف على أحد.. أنظمة تيبست وقوى جرفت وجماهير انتزعت قدرتها على التحدي والرغبة في الدفاع عن الأوطان ودرس سقوط بغداد ماثل في الأذهان. وهل لدى العرب اية أوراق للعب بعد ان خطفت واشنطن تلك الأوراق بنسبة 100% وليس 99% كما كان يقول الرئيس المصري الراحل أنور السادات. وهل يمكن الرهان على الشعوب التي وقعت تحت سلطات استبدادية لعقود في استنهاض قواها مجدداً للدفاع عن الاوطان التي اصبحت مستباحة امام المقصلة الأميركية التي لا ترحم وان تخفت وراء الديمقراطية والتحرير وحقوق الإنسان والى غير ذلك من دعاوى زائفة لا تنطلي حتى على المبتدئين في علم السياسة. غبار التشاؤم الذي علا فوق السماء العربية ورغم كل الظروف لا يجب ان يدفعنا إلى اليأس والقنوط فقد مرت امبراطوريات كثيرة بالأرض العربية ومن لم يرحل عنها قبر فيها ونشوة النصر الأميركية ليست النشوة الأولى التي تنتاب المحتلين فهي مدة طالت أو قصرت مآلها إلى زوال، نعم لا تزال لدينا أوراق الإرادة في البقاء، ابداً لن نكون هنوداً حمراً يمكن اجتثاث شأفتهم ومحور وجودهم من على البسيطة، صحيح ان الامواج عاتية والسماء ملبدة بغيوم سود، لكن يجب الا نركن إلى بؤس الواقع ومرارته. وسوف نظل نحلم ـ فالأحلام لا تزال أيضاً ممكنة ـ بالخروج من المأزق التاريخي الذي يدهس ارادتنا ويستهدف القضاء عليها كلياً، والخطر كل الخطر التسليم بما يراد لنا. الدبابات والقنابل قادرة على التدمير والقتل لكنها سلاح فاشل في النيل من الارادات دائماً.. وتجارب التاريخ القديم والحديث خير شاهد فمتى كانت الهزيمة نهاية المطاف.. هي أيام غبراء بلا شك، لكن العزيمة والرغبة في مقاومة الفناء دائماً تحصن الأمم في مثل هذه الساعات العصيبة. وبالطبع فإن ارادة البقاء ومواصلة المسيرة لابد وان يكون لها ثمن وعلينا ان نكون مستعدين لدفع هذا الثمن وان كان فادحاً.. من ارواحنا واموالنا وحرية واستقلال شعوبنا إلى حين. علينا ان نخرج سريعاً من الاحباط الذي تملك بعض النفوس ان لم يكن كلها، وان نضع نصب عيوننا ان الأيام دول، ومن قبل جاء الرومان والمغول والصليبيون، والبريطانيون والفرنسيون وزالت حقبهم بمرها ومرارها، واليوم جاء الأميركيون وستنتهي حقبتهم قد لا يكون في المدى المنظور لكن الرهان على رمال صحارينا التي التهمت في جوفها الجحافل تلو الجحافل. ما يحدث في العراق وربما ما قد يواجه سوريا أو غيرها لاقدر الله وان اتسع الرتق على الراقع سيكون الاستثناء في مسيرة أمة تملك في حناياها كل مقومات البقاء والاستمرار في العطاء الانساني حتى يرث الله الأرض ومن عليها. هذه ليست كلمات عاطفية لمواساة الذات في لحظات الانكسار والضعف، أو رغبة نفسية في مواجهة محنة قد يكون مرادفها الكارثة.. فلا خيار أمامنا سوى التنقيب والبحث عن مخرج لا تكون من بين أبوابه كلمة استسلام للواقع المؤلم والتسليم بمفاتيح مستقبلنا بأيدي غيرنا وان اختلفت اسماء أصحابها ولا سبيل لذلك إلا بالرهان على ارادتنا وان كانت في اضعف حالاتها