الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 محمد طفل في الثانية عشرة من عمره، ولد على أعتاب حرب، وهو اليوم يحفظ أرشيف حرب كاملة، تكفلت وسائل الإعلام المرئية بنقلها له بكل تفاصيلها المرعبة.. صور القصف الوحشي لمدن آهلة بالآمنين، صور الاهانات المتعمدة لرجال وشباب ونساء من أهالي العراق المبتلى بالنفط والماء والحضارة، صور الجثث الملقاة على الطرقات.. صور الأطفال المضرجين بدمائهم.. المشوهين.. المبتوري الأطراف والحاملين جبالاً من الآلام بسبب فقد الأسرة والاقرباء! محمد لا يفاجئ أمه، لكنه يفاجئ أمته التي أودعته متاهة حرب مذلة، بينما معلمته في المدرسة تشرح له صوراً وردية حول الأمة العربية القوية ذات التاريخ العظيم والامكانيات المذهلة، ومقومات الوحدة والعزة، و... إلخ!! لذلك فإن محمد يولِّد أسئلة ملتبسة أكثر منها مفاجئة، أسئلة تشبه الاتهامات ليس لأمه الحائرة والخائفة عليه، ولكن لأمته التي كذبت عليه كثيراً، وخانت أحلامه وأمنياته. في صباح مضى منذ عدة أيام، رفع محمد عينيه حائراً ليقول لوالدته: لماذا يفعلون ذلك بالعراق؟ بعدها بيوم واحد سألها لماذا تدخل الدبابة إلى المتحف في العراق بينما لم يسمح لنا ان ندخل بالسيارة حينما ذهبنا لزيارة المتحف؟ هل لأن الدبابة أميركية، أم لأن أميركا تريد ذلك؟ لكن إجابة أمه لم تقنعه أبداً حين قالت: انها الحرب يا محمد، الحرب علينا لأننا أمة ذات حضارة، وهم يريدون تدمير حضارتنا، وسرقة ثرواتنا! كم أنت حبيب وغالٍ يا محمد، وكم هم أقرانك مفجوعون بطفولتهم وبهذه الأسئلة التي لم تطرحها اجيال قبلكم أبداً وكم أنتم جديرون بإعلام واع، ومنتم لتطلعات الأمة وأهدافها وليس لأي أهداف أخرى، كم نتمنى أن ينصفكم الاعلام كما ظلمكم وهو يزج بكم في حرب لم تخطط ولم تشن إلا عليكم، بعد النفط واسرائيل! هل يريدون النفط يا أمي؟ هكذا سأل محمد للمرة الألف، وكان يجهز اجابته، قال لأمه: أنا لا أريد الموت، لا أريد أن أصبح مثل (علي) بلا أطراف وبجسد مشوه، وبدون أم أو أب أو شقيق!! قولي لهم بأن يعطوا أميركا كل النفط حتى لا تأتي وتقتلنا مثلما فعلت بأطفال العراق!! كم أخاف عليك يا محمد، وكم أخاف منك أيضاً ان تكبر بذهنية التنازل والرعب التي زرعتها فيك القوة العظمى، ألم أقل بأنك أنت وأصحابك المستهدفون بعد تأمين النفط واسرائيل؟! كم تعجزني أسئلة محمد، وكم أخجل من عجزي أمامه، كم من الزمن نحتاج كي نعيد إنتاج صور أكثر توازناً عن الأمة العظيمة ذات الثروات والتاريخ العريض في ذهن محمد وأصحابه؟ كم من الجهد نحتاج كي نزيل انقاض الحرب من نفوسهم وقلوبهم الصغيرة؟ وكيف سنقنعهم بأننا آباء صالحون، وأمهات قادرات على صناعة مستقبل أفضل وأمان أكثر، وهم يروننا نسقط في الحزن أمام صور الشاشات، ونسقط في البكاء العاجز أمام مشاهد القتلى، والحرائق والدبابات التي تعبر بوابات المتحف والجامعة وتقصف مئذنة مسجد الإمام أبي حنيفة بيد جندي اسمه (مردخاي)! أيها الاعلام العربي رأفة بأطفال يعيدون إنتاج أحزاننا وهزائمنا، ويتلبسون يأسنا وإحباطنا وخوفنا، رأفة بهم.. حاولوا تغيير البوصلة قليلاً حتى لو غضبت أميركا، لأن جيلاً كمحمد ستكون غضبته مدمرة فيما لو تركناه متخبطاً في أسئلته الملتبسة!! Aishasultan@hotmail.com