الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 مثل كل الفقراء.. مثل كل الغرباء، جاء ليتوجع وذهب يتوجع، ما آنس منها غير التعب، كل الايام، وكل العمر مشهد لا يتلون ولا يتبدل، تتغير زواياه، لكنه حال واحد من البؤس والشقاء. ورغم الظلام، كان يلمح نوراً ويحمل حلماً، ويملك ان يبتسم بل ويفرح أيضاً، انه فرح القلب عندما تشتد أزماته وتخنقه الاحزان، يهرب من قيده، يبحث عن فرح يساوي وجع الاحزان، لا يجده إلا في ابتسامة أو ضحكة تشابه البكاء، وهكذا استقرت حياته وشخصيته: بكاء في صورة ابتسامة دائمة، مأمون عطية، كان أحد هؤلاء الذين جاؤوا إلى هذا العالم ليشاهدوا وجهه المظلم، لم يجدوا عنده غير الوجع وسيرة الاحزان، كلما صبر ونسي همه زادته الدنيا هموماً أثقل وأوجع من ذلك، الذي كان فيه، هكذا كانت معه منذ ان جاء، إلى ان قررت انه وصل إلى حد الشبع، وما عاد فيه نفس يحمل مزيداً من الشدة، وان فيه أكبر من ذلك، فيه الموت ذاقه ألواناً وجرعات. عندما جاء به مركب الغرباء إلى ساحل الخليج قبل خمسين عاماً، لم يجد الحلم الذي جاء به، وجد الخوف يسكنه، وذاق شظف العيش أشكالاً، وكاد في أيام طويلة ان يموت من البرد والجوع، غريب لا يحمل مالا، ولا يملك صنعة ولا يجد عملاً، كيف للحياة ان ترحمه؟! قرر أن يعود لبلده، وأسلم نفسه لرياح الخليج عندما حملته السفينة من السعودية إلى الكويت، إلى أن سحبته نحو شواطئ دبي. لم يجد على الساحل أحداً ينتظره، ما كان له هنا أهل أو صاحب، جاء مغامراً، مثلما كان في سنواته الماضية عندما ارتضى الهجرة نحو المجهول بحثاً عن الحياة. في دبي نام في العراء ومن ثم سكن «صندقة» شارك فيها هنوداً يعملون في المقاولات والتشييد، وتلك مرحلة بناء وازدهار، فكانت فرصته أن يعمل وصادف ان مر به الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله في واحدة من جولاته التي لا تتوقف نهاراً وليلاً على كل مشروع في كل شبر من دبي، لمحه جالساً قرب صندقته، ونادى عليه رحمه الله: من أنت وماذا تعمل هنا؟ شرح له الحال وسأله ماذا تفهم، وماذا يمكن ان تعمل؟ أي شيء، التي رد بها مأمون، جعلت الشيخ راشد يطلب من أحد المقاولين ان يجربه ويمنحه فرصة ليعمل ويعيش. فكانت البداية عامل طلاء ثم مشرفاً على أعمال الصباغة، وتحسنت الحياة قليلاً عنده، فقرر أن يكوّن شركة صغيرة للصبغ، وكانت أعمال البناء في منطقة «الكرامة» التي سكن بها تحتاج إلى مثل هذا العمل. لكن طيبته وانسانيته غلبت طبع التاجر فيه، فاستغله العمال وتعرض إلى خسائر، وتركه من كان معه من الفنيين المهرة، وكان عليه ان يتحمل التبعات وحده، دخل المحكمة محملاً بالديون والمشاكل، وأشفق عليه وقتها القاضي الذي أشرف على قضيته فلم يجد عنده مالاً ولا وجد فيه ذلك التاجر المستغل. وعرف ان مصيبته في أنه إنسان طيب، وعرضته هذه الانسانية إلى استغلال الآخرين له، فخرج من المحكمة على أن يتحمل التبعات كما ارتضى، وان يبحث له عن مهنة أخرى، ويتخلص من حجم الطيبة التي يحملها أو على الاقل لا يستخدمها مع الجميع في كل الظروف. امتثل للحكم الأول وباع كل ما عنده وعاد مفلساً، ورأى في الحكم الثاني منفعة وطريقاً أفضل لمستقبله، ان يعمل فيما يفهم فيه، أما النصيحة الثالثة فلا يملك الموافقة عليها، لأنها خاصية طبعت فيه ولا يملك تبديلها أو التغلب عليها. المهنة التي يهواها ويمكنه ان يعمل بها هي الصحافة، فكيف له ان يدخل إلى هذا العالم وهو الغريب، وهل يوجد صحافة في هذا البلد، هذا في منتصف الستينيات من القرن الماضي؟ الصدفة تلعب مرة أخرى دوراً في حياته الجديدة، التقى شخصاً على قارعة الطريق، وأومأ له في ذلك الظلام الدامس أو في احد نهارات صيف هذه الأرض المشتعل بالحر والرمضاء والشمس الحارقة، توقف له وركب مسرعاً، وأخذ صاحب السيارة يأخذ (علومه): من أنت و كيف جئت، شرح له الحال وتمنى منه رغم انه لا يعرفه، أن يجد له عملاً، فكانت السيارة قد توقفت بهما أمام مبنى أسمنتي في شارع «أم هرير» طلب منه صاحب السيارة ان ينزل هنا وأن يدخل إلى ذلك المبنى، ويثبت فهمه وحاجته إلى العمل، كان صاحب السيارة هو خليفة النابودة، وكان المبنى هو «مطبعة دبي». وجد مأمون جزءًا من العالم الذي يحبه، فعمل في المطبعة واتخذها مقراً لاقامته، فكان ينام فيها بعد أن ينتهي من العمل، وأشعره صاحبها خليفة النابودة بالتقدير والرعاية، وفي احدى المرات قال له ان عندك طاقات وموهبة أكبر من أعمال الطباعة المحدودة، لماذا لا تعمل في الصحافة؟ خرج مأمون بهذا العرض لكنه رد متحسراً: وكيف لي ذلك، فجاوبه النابودة: اترك ذلك علي. عرفه على سمو الشيخ حشر آل مكتوم مدير دائرة الإعلام، التي كانت تصدر نشرة «أخبار دبي» عن البلدية، والتي كان الطموح ان تتحول الى مجلة واسعة الانتشار، وكانت هذه أهم وأطول وأجمل مرحلة في حياة مأمون ـ كما كان يقول رحمه الله ـ أدخله الشيخ حشر إلى المجلة وجربه في أكثر من موقع فيها، ومنحه ثقته وصداقته، وتفانى مأمون مقابل ذلك في عمله وإخلاصه، حتى صارت «أخبار دبي» كل حياته وأحلامه. عمل فيها محرراً ومشرفاً وفي حالات منفذاً ومتابعاً لشئونها الفنية في المطبعة، وعندما تقرر إغلاق المجلة، عاد مأمون ليجلس في بيته، كان ذلك بداية الثمانينيات، وقد تحولت الحياة في الإمارات جذرياً وازدهرت وتطورت في كل جنباتها، وكان أمام مأمون ان يبحث عن خيار آخر، وكانت الفرص أمامه، هاتف من الشيخ حشر أعاده من جديد إلى الصحافة، عندما طلب منه ان يذهب وينضم إلى «البيان» التي كانت ستخرج في العاشر من مايو من العام 1980، ولم يتأخر وكان من الفريق المؤسس لها، وظل فيها حتى الموعد الأخير لرحلته عن هذا العالم. ومثلما استقر في حياته العملية بعد صبر وسنوات طويلة من التعب استقر أيضاً في حياته الأسرية وكوّن أسرة صغيرة، كبرت مع الايام، ووصل أفرادها إلى أربعة أبناء وزوجة طيبة ومسكينة ووفية، كما كان يصفها دائماً، كان ينتظر بفارغ الصبر اليوم الذي يكبر فيه بكره «مروان» وإخوانه الصغار. لكنه بدل ذلك اليوم الجميل جاء يوم أسود شديد الظلام والمرارة، لقد مات مروان في عز شبابه وقبله أو بعده بأيام معدودة مات الاخ الثاني، ومعهما فقدت الام قوتها وصحتها وما بقي عندها من صبر. كان على مأمون ان يكون أكثر قوة وأكثر مقاومة من أجل زوجته الطيبة المسكينة الوفية والمريضة هذه المرة، كان عليه ان يعيش لما تبقى من أسرته. صبر وعاد يبكي في ابتسامته الدائمة، لكن قلبه خانه، ما عاد يقوى أكثر، صمت القلب المشحون بالتعب والموت فجأة! مأمون عطية. لقد رحل غريباً كما جاء .. يرحمه الله. shmitrif@hotmail.com