الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 لا اتعجب حين اسمع جورج بوش أو دونالد رامسفيلد يقول ان الهدف من الحرب الأميركية على العراق هو احلال الديمقراطية التعددية بنظامها وقيمها. فالكذب الدعائي الرخيص هو النسيج الأساسي للسياسة الدولية الأميركية. لكني اتعجب كل العجب من اولئك العرب الذين يؤمنون على صحة هذا الزعم.. بل ويدافعون عن الولايات المتحدة باعتبار أنها اضطلعت بمهمة انسانية لانقاذ شعب العراق من نظام بعثي استبدادي. فهل هي سذاجة ام شيء آخر؟ صدام حسين كان دكتاتوراً على رأس نظام استبدادي لايتعامل بمبدأ سيادة القانون وانما بمبدأ سيادة الفرد المتسلط. لكن هل صدام حسين هو الدكتاتور الاوحد في العالم الثالث عامة والعالم العربي خاصة؟ والسؤال الآخر ذو الصلة هو السؤال المطروح: هل فعلاً شنت أميركا حربها من اجل اقامة نظام ديمقراطي في العراق؟ احيلكم إلى مواطن أميركي سطر اجابة عن هذا السؤال الكبير منطلقاً من الواقع السياسي «الديمقراطي» السائد في وطنه. في مقالة بصحيفة «نيويورك تايمز» يقول البروفسور وليام ولكوكس استاذ العلوم السياسية في جامعة بوسطون: «نحن معشر الشعب الأميركي نتعرض إلى مواعظ حول الحاجة إلى الدفع بالديمقراطية في العالم العربي، ويقال لنا مراراً وتكراراً ان من واجب اميركا اشاعة اسلوبنا الديمقراطي في الحياة في شتى انحاء العالم فنجلب الأمل إلى اليائسين والغذاء الى الجوعى وفرص العمل للعطالى والسلام والعدالة إلى العالم اجمع». وهنا يتساءل البروفسور ولكوكس: «كيف اذن نسعى لتحقيق هذا الهدف الاعظم»؟ ومن هذا التساؤل الأساسي تتفرع على لسان هذا الاستاذ اسئلة: ـ كيف يمكننا اقناع مواطني البلدان العربية بأن دعمنا للجنود الإسرائيليين الذين يقتلون الأطفال الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية هو مجرد تعبير عن دوافعنا نحو الديمقراطية؟ ـ كيف يمكننا اقناع من يشاهدون الجرافات الإسرائيلية تدمر منازل فلسطينية، بداخلها الأسر احياناً، بأن مثل هذه الافعال تخدم السلام في الشرق الأوسط؟ تأسيساً على مثل هذه الاسئلة ينتقل الاستاذ الجامعي الأميركي إلى اسئلة بشأن الحالة العراقية يشخص من خلالها الجوهر الحقيقي للممارسة الديمقراطية داخل الولايات المتحدة نفسها.. فيتساءل على النحو التالي: ـ هل سيكون من «حق» رجال الأعمال العراقيين الاثرياء في عراق ديمقراطي مستقبلي شراء مناصب ذات نفوذ داخل حكومتهم مثل عمدة نيويورك الذي انفق عشرات الملايين من الدولارات ليضمن لنفسه ذلك المنصب؟ ـ هل ستكون الفرصة متاحة لاولئك الذين يتمكنون من جمع ثروة من عرق ودم العراقيين العاديين لكي يصيروا نوابا برلمانيين أو عمدا؟ ـ هل ستكون الديمقراطية العراقية مطابقة للنموذج الأميركي حيث يأوي طفل أميركي من بين كل خمسة أطفال إلى فراشه وهو جائع.. وحيث يوجد 45 مليون اميركي ليس لهم تأمين صحي.. وينتقل بنا البروفسور إلى صورة اكثر حداثة لأميركا.. اميركا ما بعد 11 سبتمبر التي تحولت إلى دولة بوليسية اسقطت كل المباديء والقيم الديمقراطية الأساسية في مجال الحريات الشخصية وسيادة القانون. يتساءل البروفسور: لماذا نسمح لحكومتنا بمراقبة هواتفنا ورسائلنا الالكترونية واقتحام منازلنا دون ترخيص قضائي واعتقال الأميركيين من الاصول العربية والإسلامية لفترات غير محدودة؟ ثم يستخلص: من اجل «المحافظة على الديمقراطية» و«حماية الشعب الأميركي من الإرهاب» فان المسئولين الذين انتخبناهم قرروا تحويل الولايات المتحدة الأميركية إلى دولة بوليسية». كيف اذن يحق لادارة بوش ان تدعي انها تعتزم نشر الديمقراطية في بلدان اخرى بينما الديمقراطية داخل الولايات المتحدة نفسها لم تعد إلا مجرد عنوان؟ وانطلاقا من هذا التساؤل يعود الاستاذ ولكوكس إلى الحرب الأميركية على العراق فيعرب عن تعجبه من تدمير دولة «من أجل انقاذها لصالح الديمقراطية». وبدورنا ينبغي ان نتعجب من اولئك العرب الذين يؤيدون مزاعم إدارة بوش بأن الدافع الأساسي إلى شن الحرب على العراق هو إزالة نظام حكم استبدادي. فالتاريخ والحاضر يفيدان بأن الولايات المتحدة لا تدعم الاستبداد فحسب بل تسعى إلى تدبير انقلابي من اجل الاطاحة بنظام ديمقراطي قائم اذا كان ذلك يلائم مصالحها أو توجهاتها الذاتية.