الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 تتراجع حرية الصحافة يوما بعد يوم في جميع انحاء العالم، وحتى في الدول المسماة بالديمقراطية والمتقدمة والعريقة في ممارسة الحريات الفردية وحقوق الانسان نلاحظ تقهقراً واعتداء مخيفاً على مبدأ اساسي من مباديء الديمقراطية والحرية. ففي العام الماضي تعرض اكثر من 1500 صحافي لمضايقات واعتداءات وتجاوزات من قبل السلطات وغيرها من القوى التي تريد اسكات وسائل الاعلام عن تقديم الحقيقة وكشف المستور. كما تشير الاحصاءات كذلك إلى ان هناك اكثر من 700 صحفي اعتقلوا وسجنوا خلال عام 2002. وهكذا اذن نلاحظ ان حرية الصحافة غير متوفرة وغير مضمونة في اكثر من نصف بلدان العالم. كما لاحظنا بعد احداث 11 سبتمبر 2001 تراجع خطير في حرية الصحافة في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة الاميركية التي اخترقت الكثير من المباديء التي كانت تؤمن بها في هذا المجال. وباسم الحرب على الارهاب شنت اميركا حربا عشواء على كل ما هو عربي واسلامي بحق وغير حق، وضربت عرض الحائط بالحريات الفردية وحرية التعبير والرأي والفكر. مظاهر للفشل يوماً بعد يوم يكتشف العالم اغتيال حرية الصحافة على الهواء وعلى المباشر في العدوان الاميركي البريطاني على العراق. فهذا «بيتر ارنت» يفصل من عمله في شبكة ان.بي.سي الاميركية ويتهم بالخيانة العظمى، لا لشيء لأنه قال الحق في مقابلة مع التلفزيون العراقي. وتأتيك اخبار عن احتجاج السفير الاميركي في لبنان على تغطية تلفزيون المنار للعدوان. كما تقرأ في الاخبار الاعتداء على موقع الجزيرة في شبكة الانترنت وتحطيمه والقضاء عليه نهائيا. كما ضربت قوات الحلفاء عدة مرات التلفزيون العراقي. فالتعديل الاول في الدستور الاميركي والذي يتغنى به الاميركان ويقدسونه ويمجدونه، يحمي مهنة الصحافة ويحمي الصحافي من اي تدخل او اعتداء او ابتزاز او استغلال من اية جهة كانت حتى لو كانت الحكومة الاميركية او الرئيس الاميركي. لكن ما نلاحظه هذه الايام عن الممارسة الاعلامية في نقل الاخبار حول العدوان الاميركي البريطاني على بغداد، هو تداخل خيوط الاحترافية والمهنية مع الدعاية والتضليل والتعتيم، وتبني مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وان المباديء والقيم والاخلاق والتي تسير وتدير الممارسة الاعلامية اصبحت مهجورة وغير مطابقة في معظم الاوقات. ومن اهم المآخذ التي تسجل ضد وسائل الاعلام في العالم بأسره هذه الايام هي فشلها في تجنب العدوان على العراق، رغم ان الرأي العام في جميع دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا كان معارضا للعدوان وان شعوب العالم خرجت بالملايين في مسيرات ومظاهرات في معظم عواصم العالم تندد بالحرب وتعبر عن معارضتها لاي عدوان على الشعب العراقي. فالمؤسسة الاعلامية مؤسسة اجتماعية بالدرجة الاولى ومسئولة امام المجتمع بفئاته وشرائحه الاجتماعية المختلفة. والمسئولية هنا تعني الالتزام المهني والاخلاقي بتوجيه الرأي العام في الاتجاه الصحيح والصائب والذي يصب في المصلحة العامة. والمسئولية هنا تتطلب اخلاقيات توجه المهنة وتقننها وتجعلها تعمل وفق ضوابط ومسارات تضمن النزاهة والالتزام بتقديم الحقيقة وخدمة الرأي العام والمصلحة العامة. هذا يعني ان العمل الاعلامي بحاجة الى دقة وموضوعية وعدم انحياز، والانحياز الوحيد يجب ان يكون في اتجاه الحقيقة وكشف كل الحقيقة للمجتمع من اجل اخباره وابلاغه حتى يكون هناك رأي عام مبني على الوقائع والاحداث والاحصاءات، وهذا ما يؤهله لمراقبة السلطة في المجتمع في ممارسة حقوقه السياسية والمشاركة في صناعة القرار. فمن الرسائل النبيلة والمهام الجوهرية لمهنة الصحافة نشر السلام والسلم والأمان والاستقرار والمحبة والتسامح والحوار بين الشعوب والثقافات والأمم. وهنا نلاحظ مع الاسف الشديد انه بدلا من خدمة السلام والسلم والامان والاستقرار فان وسائل الاعلام تشجع على الاستعمار والعدوان والاستغلال وتتحول من مجرد التغطية الاعلامية وتغطية الاحداث الى التضليل والتعتيم والتركيز على قضايا دون قضايا اخرى والتصفيق والتشجيع والتطبيل لنتائج واهمال نتائج اخرى، وهنا تتحول المؤسسة الاعلامية من اداة سلم لاداة حرب تشحن القلوب وتهيج العواطف، لخدمة الحرب التي تكرس هي بدورها لخدمة مصالح حفنة من التجار على حساب مئات الملايين من البشر بل مليارات في الكثير من الاحيان. اخلاقيات الاعلام في زمن السلم او الحرب يبقى الجمهور هو المفصل المحوري في عملية الاتصال، والجمهور له الحق وفق الاعلان العالمي لحقوق الانسان في الاتصال وفي الحصول على الاخبار والمعلومات بكل صدق وموضوعية والتزام، لأن ما يحصل عليه الفرد في المجتمع من اخبار ومعلومات هو الذي يحدد اطاره المرجعي وصورته الذهنية وبذلك سلوكه وتصرفاته فيما بعد. فالموضوع هنا اذن استراتيجي ومهم، والتلاعب بمهنة الاعلام والتلاعب بالمعلومة قد تكون له انعكاسات جد وخيمة على السلوك المسئول والرشيد في المجتمع. فرهانات الاعلام في زمن الحرب تكون اهم بكثير من العمليات العسكرية في مسرح المعارك، ورهانات ومسئوليات الاعلام في زمن الحرب تكون اكثر بكثير من رهاناته في زمن السلم. الامر اذن يتعلق بالافكار والعقول والمواقف والعواطف. فدعاية جويلز أتت بالشعب الالماني بكامله الى تبني حرب لم يكن بحاجة اليها، لكن موقفه منها وبخاصة موقف وسائل الاعلام ادى الى حرب عالمية بقيت انعكاساتها وتداعياتها قائمة حتى اليوم، ونفس الشيء يقال عن حروب استغلالية واستيطانية وعدوانية عانت منها البشرية الكثير منذ عصور خلت. وفي كل هذا يبقى الضمير الاعلامي يؤنب كل اعلامي في العالم كان باستطاعته ان يفعل شيئا لتجنب الحرب، لكن بدلا من ذلك نجده ساكتا او متواطئا مع قوى همها الوحيد هو المصالح والمكاسب المادية حتى ولو كانت على حساب عشرات الالاف من الاطفال الابرياء والمواطنين العزل. الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها او استعمالها لاغراض غير المصلحة العامة واغراض المجتمع، هي التحديات الكبرى التي تواجه الصحافيين في جميع انحاء العالم وعندما نقول هنا المصلحة العامة واغراض المجتمع قد نقصد مصلحة الانسانية جمعاء واغراض البشرية في جميع انحاء العالم. فالاعلام بامكانه ان يكون وسيلة سلم وحوار وتقارب بين الشعوب، وبامكانه ان يكون وسيلة دمار ودعاية وتضليل وتشويه يهدم ويخرب اكثر مما يبني أو يخدم الانسانية والبشرية جمعاء، ومع الاسف الشديد مازلنا في بداية القرن الحادي والعشرين نعاني من التضليل والتعتيم والتشويه ومن الصور النمطية والدعاية والحرب النفسية، واصبحنا نتعرض لرسائل اعلامية ومنتجات ثقافية تجعل من المظلوم ظالما وارهابيا وتجعل المستعمر «بكسر الميم» الغاشم هو المسالم والديمقراطي والمحب للأمن والسلام في العالم. وهكذا تدهورت القيم والمبادئ وانحطت الاخلاق واصبح الجمهور يشاهد صور الاطفال الابرياء في العديد من دول العالم وهم يتعرضون للقتل والبطش والاستغلال، والضمير الانساني غائب او مغيب والآلات والانظمة الاعلامية التي تحولت الى ابواق ووسائل دعاية تبرز التصرفات والسلوكيات الوحشية والهمجية لتجار الحروب والأسلحة. حرية الصحافة تغتال هذه الايام في العدوان الاميركي البريطاني على العراق والعالم يتفرج وضمير البشرية ساكت، ويمكن القول هنا ان العلاقات السياسية الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية ومختلف المنظمات والمؤسسات الدولية قد افلست، وأصبح يديرها ويقودها منطق المال والقوة وتجار الحروب والأسلحة وخبراء الدعاية والحرب النفسية. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة