الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 الحرب التي وقعت في العراق وادت الى سرعة سقوط النظام العراقي قلبت السياسة الدولية رأساً على عقب. فهناك في تاريخ العلاقات الدولية احداث تعيد صياغة العلاقات بين الدول. الحدث الذي مر في العراق هو نمط من الاحداث التي هزت العالم والتي ستترك اثاراً كبيرة تتجاوز العالم العربي. ان التساؤلات تزداد ضراوة واهمية: فهل نعيش في مرحلة تشبه اعقاب الحرب الاولى عندما سعت بريطانيا لاحتلال الشرق وانتصرت انتصاراً دام عقدين من الزمان قبل ان تبدأ الحرب الثانية وتسقط الامبراطورية البريطانية؟ هناك من يقول ان الولايات المتحدة تعيش في تلك المرحلة. ولكن هناك من يقول انها في ذات الموقف الذي كانت فيه بريطانيا في اواسط القرن التاسع عشر والذي ادى الى سيطرتها على معظم سكان العالم لما يزيد على مئة عام. لهذا فالتساؤل: اي النظريتين تعكسان حقيقة الامبراطورية الاميركية التي تنطلق من قارتها نحو قارات العالم في محاولة لتأكيد العولمة ونشر فكرها؟ هل الانتصار الاميركي في العراق مؤقت ويعكس تراجع قوتها أم ان انتصارها يعكس تمددا سوف نرى المزيد منه في مراحل قادمة؟ الانتصار الاميركي ومقدرته على تحدي حركات السلام وبعض الدول الاوروبية الرئيسية وغيرها بما فيها معظم الدول العربية، يعكس شيئاً جديداً ويعكس تجديداً غريبا للقوة علينا ان نفهمه ونعرف كيف نتعامل معه. وعلينا ان ننتبه جيداً لأن قراءتنا للوضع سوف تؤثر في قراراتنا وسوف تساهم في تقدمنا أو تراجعنا: فان كانت الولايات المتحدة في مرحلة تراجع وتقهقر فعلينا كعرب ان نركز على التوازانات الاخرى ونتجنب التحالف معها بعمق وان نسعى نحو اوروبا والصين وغيرها، ولكن ان كانت قراءتنا خاطئة فهذا يعني انا سنضيع وقتنا في تحالفات ضعيفة تؤدي الى هزائم جديدة لقضايانا بعد سنوات وعقود. وان كانت الولايات المتحدة قوة عالمية صاعدة وتعيش حالة تجديد في قوتها وتنطلق من جديد، فعلينا ان نعيد حساباتنا على حركاتنا السياسية هي الاخرى ان تتأقلم وتجدد في خطابها وطريقة تعاملها. بل ان كانت الولايات المتحدة قوة صاعدة سنجد ان اوروبا الشمالية (المانيا وفرنسا) ستسعيان لتجديد علاقاتهما بالولايات المتحدة وليس العكس. ان كنا نحلل ونقول ان الولايات المتحدة ستنطلق في محاولة لتشكيل النظام الدولي واعادة ترتيب مجلس الامن او المؤسسات الدولية وربما انشاء مؤسسات جديدة تقودها، فهذا يعني ضرورة ان نسعى لبناء علاقات متينة مع الولايات المتحدة لضمان وصول صوتنا الى العاصمة الاميركية عوضاً عن وصول اصوات منافسينا. ان الاوضاع الناشئة عن الحرب الراهنة لم تترك مجالاً كبيراً للاختلاف على قوة وموقع الولايات المتحدة في السياسة الدولية. وذلك لان المدرسة التي تقيم فرضيتها على قوة الولايات المتحدة الصاعدة لديها الكثير من المبررات والشواهد. فمن جهة لم يعرف التاريخ دولاً بحجم الولايات المتحدة. اما من جهة ثانية: فان قوة التجديد في الولايات المتحدة مرتبطة بالعلم والبحث والاقتصاد. ويمكن التأكيد بان احدى نقاط القوة الاميركية هي تلك المتعلقة بميزانية للدفاع لا تتجاوز 3% من مدخول الدولة في حين تساوى الميزانية الدفاعية لمعظم الدول في العالم. بين الصعود ام السقوط، بين القوة الشاملة ام القوة الجزئية، تعيش الولايات المتحدة هاجس الدولة الكبرى. ولكل سيناريو احتمالات ونتائج كبيرة. يبقى الاساس في كيفية قراءتنا للسياسة العالمية ولدور الدول التي تحدد سياساتها مصيرنا. ـ استاذ العلوم السياسية