الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 عندما بدأت الولايات المتحدة تعد العدة لغزو العراق واحتلال أراضيه، والهيمنة على ثرواته، ومن خلال وجودها العسكري هناك الهيمنة على منطقة الشرقين الأوسط والأدنى، حاولت أن تحقق أهدافها تلك في إطار من الشرعية الدولية، وعندما فشلت في الحصول على قرار من مجلس الأمن يؤمن لها هذا الغطاء الشرعي لعمل غير شرعي، حاولت استمالة دول لها وزنها السياسي، وبشكل خاص الاتحاد الأوروبي، للحصول على تلك الشرعية المفقودة، لأن دول الاتحاد الأوروبي شريك للولايات المتحدة في العديد من المنظمات على قمتها حلف الأطلنطي، إضافة إلى ان أوروبا الغربية تدين للولايات المتحدة بالكثير مما فعلته خلال الحرب العالمية الثانية، وإعادة اعمارها بعد دمار تلك الحرب. عندما فشلت واشنطن في كل الاتجاهات بعد أن بدا واضحا أن الاتحاد الأوروبي متخوف من «الأطماع» الأميركية في مناطق عديدة من العالم تمثل مصالح حيوية لا يمكن التفريط بها حتى لا تقع في قبضة يد واحدة تتحكم فيها، وبالتالي التحكم في كل ثرواتها وما يترتب على ذلك من تحكم في حركة الاقتصاد العالمي، بدأت تخطط لشق التوجه الأوروبي من خلال استمالة بعض «السياسيين» الطامحين إلى لعب دور دولي، وبدأت تحقق في البداية بعض النجاح، بشكل خاص عند رئيس الوزراء الإسباني «خوسيه ماريا أزنار»، ورئيس وزراء إيطاليا «سيلفيو بيرلسكوني، اللذين انضما إلى رئيس الوزراء البريطاني «توني بلير»، المعروف موقفه منذ البداية كحليف «استراتيجي» للولايات المتحدة، وهو موقف لا فكاك منه نظرا للعلاقة التاريخية التي تربط بين بريطانيا العظمى والولايات المتحدة، ابنتها ووريثتها الاستعمارية. طموح خاطيء كان موقف رئيس وزراء إيطاليا موقف رجل الأعمال ومالك الشركات ذات المصالح الحيوية والتي تبحث عن مزيد من الأرباح، فجاء موقفه مبنيا في البداية على أن قوة الولايات المتحدة العسكرية ستجبر الجميع على الخضوع لإرادتها، ومن الأفضل الإعلان عن التأييد المطلوب لغزو العراق مبكرا، حتى يمكنه الحصول على جانب من المكاسب التي يمكن تحقيقها من خلال استغلال ثروات العراق التي يسيل لها لعاب إي رجل مال طموح، ويحلم بتحقيق ثروة كبيرة في حيز زمني صغير، لأن العراق «المستعمر« سيكون لقمة سائغة يمكن ابتلاعها دون رقيب. لكن تعنت ألمانيا وفرنسا في موقفهما جعل من الصعب على رئيس الوزراء الإيطالي المضي بعيدا في تأييده لعملية عسكرية لا تتمتع بغطاء من القانون الدولي، ويدعمها تأييد قوي مؤثر في السياسية الدولية، فآثر الصمت، فلا هو بالمؤيد ولا بالرافض، وهو موقف على أي حال أفضل من الوقوف خلف عمل غير شرعي ومرفوض دوليا، أو إغضاب الولايات المتحدة وهيمنتها الاقتصادية، ومن هنا حصل بالصمت على رخصة «السلامة». أما رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار، فقد أعماه طموحه، أو لنقل لم يحسب جيدا خطواته في دعمه للولايات المتحدة، معتقدا أن أوروبا جميعها في النهاية لابد وأن توافق على أي عمل تقوم به الولايات المتحدة مهما كانت صفته شرعيا أو غير شرعي، باعتبار واشنطن مركز اتخاذ القرار الحقيقي بالنسبة لكل اليمين الأوروبي، بغض النظر عن الصفة الوطنية لكل يمين في كل دولة أوروبية على حدة. هذا الاعتقاد الخاطئ، أو غير المحسوب، جعل خوسيه ماريا أزنار ينغمس منذ اللحظة الأولى في تأييد مطلق وغير محدود لكل ما تريد الولايات المتحدة أن تقوم به، بل تطوع للدفاع عن وجهة النظر الأميركية في اجتماع المجلس الأوروبي، وقرر أن يكون مندوب واشنطن «السامي» لدى أميركا اللاتينية لإقناع دولها بتأييد جورج دبليو بوش في خططه، وبشكل خاص كل من المكسيك والتشيلي من خلال موقعهما كعضوين في مجلس الأمن في دورته الحالية، حتى يمكن لقرار الغزو الأميركي أن يحصل على أغلبية أصوات تمنحه «شبه» شرعية، خاصة بعد أن تبين أن حق الفيتو سيواجه هذا القرار سواء من جانب فرنسا أو روسيا. ثم مضى رئيس الوزراء الاسباني في طريقه المؤيد لخطط الولايات المتحدة لغزو دولة العراق ذات السيادة والعضوية الكاملة بالأمم المتحدة، من خلال دفاع وزيرة خارجيته في مجلس الأمن بطريقة أثارت غضب الكثيرين في بلادها، وسخرية البعض ممن استمعوا إليها وهي «تزايد« على الموقف الأميركي نفسه، وهو الأمر الذي كان واضحا على وجه كولن باول خلال استماعه للحيثيات التي كانت تسوقها الوزيرة الاسبانية في محاولتها لإقناع الآخرين بالتصويت لصالح غزو العراق. الموقف الشعبي خلال كل هذا، يبدو أن خوسيه ماريا أزنار لم يحسب خطواته بوضوح، ربما قناعة بصحة رأيه، أو ثقة زائدة في نفسه، فيكون بطلا في مواجهة من سيهرولون للحاق بقطار الولايات المتحدة عند انطلاق الصاروخ الأول على بغداد، هذه الثقة الزائدة جعلته لا ينتبه إلى الوضع الداخلي في بلاده جيدا، وهو الأمر الذي أثار العديد من المحللين السياسيين، حتى أقربهم إلى فكر رئيس الوزراء الإسباني اليميني، الذين يعرفون جيدا أن غالبية الشعب الإسباني لا تميل إلى أي عمل يدخل في إطار أعمال العنف، وأن هذا الميل لكراهية العنف راسخ في فكر الشعب الإسباني بعد التجربة الرهيبة التي عاشها خلال الحرب الأهلية (1936 ـ 1939)، التي راح ضحيتها أكثر من مليون مواطن، وإجبار أكثر من مليون على الهجرة إلى الخارج، ولا تزال آثارها تخيم على الوطن من خلال تكرار عودة من اجبروا على هجرة الوطن أطفالا، والذين يطلق عليهم الإعلام الوطني لقب «أطفال الحرب». يضاف إلى هذا حالات الغضب العام التي تعقب كل عملية تقوم بها منظمة أيتا الباسكية، التي فقدت تأييد الكثيرين، حتى في منطقة إقليم الباسك نفسه، لأن مثل هذه الأعمال تخلف دائما الموت والدماء، وهو شئ أصبح مرفوضا لدى المواطن الاسباني. وربما كان هذا هو الدافع الرئيسي للدعم الذي لقيته الولايات المتحدة لدى الشعب الإسباني في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، والذي اعتقد البعض، ومنهم خوسيه ماريا أزنار، أنه قد يستمر إلى ما لانهاية، خاصة بعد استخدام وسائل التعمية والتضليل الإعلامي، وعمليات خلط الأوراق التي شارك فيها رئيس الوزراء الإسباني نفسه حول «أسلحة الدمار الشامل»، و«دكتاتورية صدام حسين الدموية»، دون أن ينتبه إلى أنه شخصيا وريث فكر دكتاتوري كان ولا يزال يؤيده، بل انه رفض في شبابه التصويت بنعم للدستور الوطني الذي اختاره الشعب بعد رحيل الجنرال فرانكو لأنه يغير من شكل الحكم الدكتاتوري إلى الديمقراطية التي يتشدق اليوم بأنه يريد «تصديرها» إلى العراق بخاتم أميركي. أيضا، يبدو أن خوسيه ماريا ازنار راهن على أن العمل العسكري الأميركي سيكون مجرد «نزهة» سريعة، سرعان ما يعقبها انهيار النظام في بغداد وخروج الشعب العراقي إلى الشوارع بالورود والأعلام والزغاريد لاستقبال الجنود الأميركيين «الفاتحين» وحملة «راية الحرية»، فلا يسقط ضحايا ولا تخضب الغزو دماء. لكن خروج اكثر من تسعة ملايين مواطن من الشعب الإسباني للتظاهر ضد «غزو العراق» يوم 15 فبراير الماضي، وكثيرون منهم من صفوف الحزب الحاكم، وضع أزنار في حرج شديد، إلى درجة أنه حاول في البداية التقليل من أهمية تلك المظاهرات، ثم سرعان ما قاد حملة إعلامية لخلط الأوراق اقنع نفسه بعدها، وحاول إقناع الآخرين، أن تلك المظاهرات تؤيد سياسته، لأنه هو شخصيا رجل «سلام» ويسعى إلى تحقيق هذا السلام من خلال «القضاء» على دكتاتورية صدام حسين الذي يمتلك أسلحة «دمار شامل» يهدد بها جيرانه، ووصلت قناعته تلك إلى حد أنه أعلن في جلسة للبرلمان الإسباني أنه استطاع أن يحصل على تأييد جماعي أوروبي للخطط الأميركية، وهو ما تبين بعدها بساعات قليلة أنه غير حقيقي. بعد أن بدأ ضحايا الغزو الأميركي يتساقطون، وبدأت وسائل الإعلام المستقلة، لأن إعلام حكومة أزنار الرسمي تجنب الحديث عن ضحايا الغزو، تنقل صور الضحايا الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ لتكذب كل ما تشيعه الولايات المتحدة وإعلامها عن «نظافة» تلك الحرب، بدأ رئيس الوزراء الإسباني يفقد ثقته فيما كان مقتنعا به، وإذا به يتوارى شيئا فشيئا عن واجهة الحرب بعد أن كان سعيدا متباهيا بظهوره إلى جوار جورج بوش وبلير في قمة الازور التي تم الاتفاق فيها على ساعة الصفر، حتى أصبح في كثير من الأحيان يتجنب الظهور أمام وسائل الإعلام، بعد أن بدأ الإعلام الإسباني المستقل يسخر من تصريحاته وتصريحات وزيرة خارجيته وبعض رجال حكومته، ويفند «خلطهم» المتعمد للمعلومات، خاصة عندما حاولت وزيرة الخارجية أن تبرر تأييد رئيس حكومتها لهذه الحرب، مدعية أن «صدام حسين يدعم الإرهاب الفلسطيني»، فتحولت بهذا التصريح إلى أضحوكة كل المعلقين السياسيين في إسبانيا، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. الحصاد المر ظل سوء الحظ يطارد رئيس الوزراء الإسباني حتى عقر داره، عندما سقط صحفي وزميله مصور إحدى محطات التلفزيون المستقلة ضحية لغدر قوات الغزو الأميركية، التي أطلقت النار عمدا على فندق فلسطين، المقر الدائم للمراسلين العرب والأجانب المستقلين الرافضين لنقل وجهة النظر الأميركية «المزيفة» عن سير العمليات العسكرية، سوء الحظ وضع على مائدة السيد أزنار دماء اسبانية بريئة، كانت تؤدي عملها وسفكها جاء على أيدي الصديق الأميركي، الذي كان يدافع عنه أزنار دفاعه عن أهله. مصرع الصحفي والمصور التليفزيوني الاسبانيين إلى جوار غيرهما من رجال الإعلام المستقل على أيدي القوات الأميركية الغازية أنضم إلى مشاهد الإبادة الجماعية ضد الأبرياء التي مارسها الأميركيون في كل المدن التي دخلوها، حتى تلك المدن التي استسلم أهلها حقنا للدماء، انضم إليهم بعد ذلك مشهد الاستقالات «الجماعية» من حزب رئيس الوزراء، لتكشف زيف ادعاءاته بأنه يحظى بدعم حزبي لا مثيل له بين الأحزاب الوطنية الاسبانية. انعكس كل هذا في استطلاعات الرأي التي تؤكد على أن خوسيه ماريا أزنار وحزبه فقدا ثقة الجماهير، ووصلت شعبية إلى أدنى مستوى لها، بل أن شعبيته عندما كان في المعارضة كانت أعلى من شعبيته الحالية بكثير، وهو الجالس على مقعد رئاسة الوزارة. نظرا لاقتراب الانتخابات المحلية المقرر أن تجرى في الخامس والعشرين من مايو المقبل، فإن خوسيه ماريا أزنار ازداد عصبية، وعاد إلى سابق عهده عندما كان في المعارضة يلقي بالتهم جزافا ضد كل من يقف ضد سياسته، مستخدما شعار جورج دبليو بوش اللاديمقراطي: «من ليس معي فهو ضدي»، وتحول من رئيس لوزراء البلاد إلى مثير للرعب والفزع بين مواطني بلاده، بزعم أنه حامي حمى الديمقراطية، وأن ما عداه لن يأتي بالخير (؟!). كل هذه الحسابات الخاطئة لخوسيه ماريا أزنار تجعله مرشحا حاليا لأن يكون الخاسر الأكبر في عملية «غزو» العراق، فلا هو قدم لبوش ما أراد ولا هو استجاب لتوجهات شعبه، خاصة بعد أن انكشف الهدف الأميركي من تلك الحرب، وأصبح لا مكان لعمليات خلط الأوراق التي كان يمارسها الثلاثي: ازنار مع جورج بوش وبلير. ـ كاتب مصري