الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 ان المنطق العملي ينقص البلاد الاسلامية عموماً، ومرد ذلك الى العجزْ في الافكار، والذي يخلق او ينتج في المجال النفسي عجزاً في (المراقبة الذاتية) وفي مراجعة (النتائج) ففكرنا لا يقيم علاقات بين النشاطات والجهود والوسائل من ناحية و(نتائجها) من ناحية اخرى ومفهوم (المحصول) لا وجود له في تربيتنا الاولى، اذ هو لا يكوّن جزءاً من عالم افكارنا. مالك بن نبي شواهد نقص المنطق العملي نتيجة نضوب الافكار لا تحتاج الى جهد عقلي خاص لكي نثبتها، فالواقع اليومي يعبر بصورة صارخة عن حالة نضوب الأفكار، وقحط البيئة الاجتماعية عن انتاج افكار عليا قادرة على تحرير الطاقة الداخلية الكلية بأنواع القيود التي صنعها الخيال المحدود، والبيئة الاجتماعية الفقيرة من المفاهيم والرؤى الخلاقة. ومشكلة نقص المفاهيم تتفاقم باطراد مع انخفاض الشعور الفردي والجمعي بالمسئولية ازاء تغيير الواقع، واستدراك الزمن في اعمال تحفظ ما تبقى من ماء وجوهنا، وتحمينا من مزيد من الهدر في الثروات والموارد البشرية والمادية. وتقدمنا الى الآخرين بصورة تليق بنا كأمة ذات ارث حضاري قام على أساس مفهوم (الوفرة) في الافكار والتصورات. ولعل اخطر ما ينتج عن حالة (الندرة) في تقديم افكار عملية تصحح اداءنا، وترفع رصيدنا من النجاح في ادارة الازمات، وقبول التحديات، هو الدخول في غيبوبة ذهنية مهدت للانصراف الى الشئون الخاصة وتكريس الوقت والجهد لانجازها على حساب أولويات اصلاح العلاقة بين الذات والمجتمع، والدخول في معترك النشاط الاجتماعي من اجل استلام مواقع متقدمة في مشاريع التنمية الشاملة التي طالها الكثير من الاهمال، واصبحت مجرد شعارات ترفع في المناسبات العامة ثم تنقطع الصلة بها بعد ان ينفض السمار، وتعود وتيرة الحياة الى عهدها القديم. ان الثابت ازاء انطفاء الحماس لتحمل مسئوليات تغيير النتائج السلبية ان (اللافاعلية) اصبحت هي الميزة العامة لمجمل الاعمال التحصيلية ذات البعد الكمي الفاقد للقيمة العملية على النحو الذي مهد لتكريس الاخطاء، واستمرارها وأدى الى مضاعفة المشاكل الانتاجية، والازمات المترتبة على ذلك الاداء النمطي الذي لم يعد الزمن يتحمل المزيد منه. ومع شح الافكار الجديدة اختفت المبادرة كعنصر من عناصر اثراء البيئة الوظيفية، وكشاهد اثبات على حيوية العقل المسلم، وقدرته على توظيف مهاراته الذاتية في رفد بيئة العمل بالأفكار المنتجة. ان المبادرة كدليل على الانتماء الى البيئة الوظيفية، وكبرهان على الارادة الحية في صناعة واقع افضل مبني على أسس التقييم والاختيار بين البدائل والاصرار على تحقيق القيم العليا للفرد هو الشيء المفقود في مجمل النشاط الاجتماعي والمؤسسي في وطننا العربي. واختفاؤها يجب ان تقرأه القيادات الادارية والفكرية معاً على انه ظاهرة مرضية تستدعي المعالجة والتصدي. وعليه ينبغي اعتماد خطط اصلاح شاملة تبدأ بالالتفات الى الذات الانسانية، وتعتمد على ضخ مفاهيم متقدمة تصحح العلاقة ما بين الفرد وادواره في الحياة، وتؤكد قدرته على التميز والاضافة النوعية الى محيطه الاجتماعي، وتنتشله بالضرورة من دائرة الشعور بالاحباط وانخفاض التوقعات ازاء المهمات الحياتية. ان اصلاح الذات الانسانية من الداخل هو الحلقة المفقودة ما بين الواقع غير المواتي، وما بين المستقبل المرجو، وكلما زادت العناية بتطوير هذه الذات والارتقاء بها كلما ضاقت المسافة بين الواقع والمثال، وبتنا اكثر قرباً من حياة تزخر بالأفكار الواعدة تلك الحياة التي أضنانا البحث عنها بعد ان سئمنا التسطيح، والاقتيات على الافكار الرديئة والمتماوتة الفاقدة للقيمة والمذاق!! m-alnaymi@maktoob.com