الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 «ما أشد حاجتنا إليك يا إقبال..!» هكذا هتف القلب، مع اقتراب الذكرى الخامسة والستين لرحيل الشاعر الاسلامي الأكبر محمد إقبال، الذي وقف إبداع مواهبه وثقافته وفنه العظيم، على إيقاظ استنهاض روح الأمة الاسلامية وايقاظ عقلها وترقية وجدانها، وبعث ارادة العمل والجهاد فيها، لإعادة بناء حياتها بالايمان، والاخلاق والعلم، أو كما قال الدكتور طه حسين: «هو الذي دعانا الى الخير وشاع فينا هذا الأمر، بأن نعرف أنفسنا وحقوقنا، ونجاهد في سبيل الحق والخير والجمال». كانت رسالة إقبال موجهة الى المسلمين، والى الانسانية كلها، أو كما قال أحد زعماء الهند: «إنه وضع المصباح على باب المسلم، ولم يحجب نوره عن غير المسلمين، بل استطاع الجميع ان يستضيئوا بنور مصباحه»، لكنه كان يدرك بعمق أن العرب هم طليعة جمهوره المستهدف، ولقد سئل يوماً عن ترجمة شعره الى لغات اوروبا، ليفهم الأوروبيون الاسلام على حقيقته، فيذهب عنهم سوء الظن في تعاليمه، فقال: «إن أعمالي ستخلد» وسترون ان كل معنى ارسلته في قصائدي ستحمله اللغات بعضها الى بعض، ولكني اريد ان يترجم كلامي الى العربية أولا وقبل كل شيء، ليصل الى العرب صوتي، وليفهم العالم العربي اسرار قلبي، «لقد أوقدت النار القديمة في صدور العجم، فمتى تسرى انغام اشواقي الى العرب؟!». لقد كانت للعرب مكانة خاصة مميزة في فكر إقبال ووجدانه، وكان عميق التفاعل مع قضاياهم، باعتبارهم قلب الأمة الاسلامية المعقود عليه الامل في بعث حرارة الحياة في كيانها الخامد. ولقد حفلت دواوينه بالرسائل والقصائد عن العرب، ومن ذلك نداؤه للامة العربية، الذي يذكرهم فيه بمكانتهم وماضيهم المجيد، ويدعوهم الى تمثل روح سلفهم الصالح، والعودة الى منهل السمو والقوة والثورة على واقع الاستعمار والفرقة والتواكل والتخلف: شعب العروبة والمجد المؤثل في بدو، وفي حضر، حتى ضحى المحشر من الذي حرر الدنيا لخالقها وأسمع الخلق: لا كسرى ولا قيصر؟ كيف انقضى حفلكم وانفض سامركم وكان بالأمس مثل العقد منتظما؟ توحدت من قديم الدهر أمتكم ما بالها انقسمت في أرضها أمما؟ يأيها العربي انظر لعصرك في دنيا يفوزبها من أحكم النظرا بالسلم والعدل تبني ما تؤمله إن شئت للأرض عمرانا فكن عمرا كان حب اقبال للعرب ثمرة وعي شامل بواقعهم ومقدراتهم ومسيرة حضارتهم، ووحدة التحديات التي تواجههم مع بقية المسلمين في العالم، كما كان ثمرة حبه الصوفي الغامر للنبي العربي عليه الصلاة والسلام. ولقد كانت امنية اقبال أن يزور الروضة النبوية الشريفة، ولكنها لم تحقق له إلا في الخيال الخصيب في منظومته «هدية الحجاز»: يا منتهى كل المنازل في طريق السالكين يا من إلى أنواره تهفو قلوب العاشقين ولقد كان واقع الحياة العربية وهمومها ملء فكره وهو يتناول هموم الامة الاسلامية كلها، فهي هموم ـ في عمومها ـ واحدة، تتمثل في: الاستعمار والتخلف الناتج عن التفريط في قيم الإسلام، قيم الايمان، والعلم والعمل والمساواة والعدل الاجتماعي، والحرية والوحدة والجهاد، وهي القيم التي يقوم عليها بناء ذات الانسان المسلم، وبناء صرح المجتمع المسلم، وذلك كله هو محور فلسفة إقبال، ومحور خطابه للانسان العربي والمسلم. منزلك العلوي لا تحجب صرحه الغيوم أنت من الجيش الذي غبار خيله النجوم في زيارته لمصر، وهي البلد العربي الوحيد الذي زاره إقبال، كان عميق الفهم لرسالة مصر وتطور حضارتها، اذ وقف بين يدي «أبي الهول» قائلاً: من أبي الهول أتتني حكمة وأبو الهول طوى السر القديم أما فلسطين، فقد كانت اهم هموم اقبال، وقد شارك في المؤتمر الاسلامي الفلسطيني في بداية الثلاثينيات، وكتب عن قضيتها كثيراً من المقالات والاشعار، فند فيها دعاوى اليهود، وفضح مؤامراتهم مع الاستعمار، وحفز عرب فلسطين على الجهاد: لا دواء بلندن أو جنيفا فوريد الإفرنج ملك اليهود رحم الله إقبال، الذي تشتد حاجتنا الى صوته في زماننا المظلم!