الجمعة 16 صفر 1424 هـ الموافق 18 ابريل 2003 عندما قرأت تصريحات دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي زعيم الصقور والمحافظين في الادارة الأميركية بأن ما حدث من نهب وتخريب لمتحف بغداد بأنه يشبه «الشغب في مباريات الكرة»، شعرت بقرف وضيق وغثيان لم أشعر به مطلقاً، لكن بعد فترة شعرت بالشفقة على هذا «الجنرال المدني» الذي لم يعرف لغة في حياته سوى قصف الصواريخ على الابرياء، والقاء أم القنابل على المنازل المدنية، وإبادة أي شيء متحرك كي يتم تثبيت الامبراطورية الاميركية الجديدة. مبعث الشفقة على رامسفيلد وأمثاله انه ينتمي لدولة تم اكتشافها كأرض عام 1492 ولم تؤسس كدولة سوى عام 1783 قبل أن تشهد حربا اهلية طاحنة عام 1861 ، وبالتالي فهو لايعرف معنى كلمة الحضارة، أو ربما يريد أن يصبح الجميع مثل بلده في الجهل سواء! ما حدث في العراق يوم الجمعة الماضي كان كارثة بكل المقاييس، كارثة لا يمكن اصلاحها بأي شكل وذلك عندما قامت عصابات منظمة بسرقة ما بين 170 ألف إلى 200 ألف قطعة أثرية من متحف بغداد الوطني، وآلاف المخطوطات النادرة من المكتبة المركزية ومكتبة الأوقاف الاسلامية ومكتبة الارشيف الوطني ومكتبات الجامعات الكبرى ومتحفين في الموصل وتكريت وجميعها تضم كنوزاً أثرية وتاريخية يزيد عمرها على سبعة آلاف سنة هي عمر حضارة العراق. المجرمون في هذه الحالة لم يكونوا هم الذين قاموا بعمليات السلب والنهب للمؤسسات أو المحلات التجارية.. شهود العيان الذين شاهدوا ما حدث أكدوا انهم كانوا غرباء وفي مجموعات منظمة، ويعرفون ماذا يفعلون، وكأنهم ينفذون سيناريو مرسوماً تم تطبيقه بكل دقة. بعد أن تمت عمليات السرقة، قام المجرمون بحرق المتاحف والمكتبات ولم يغادروا مسرح الجريمة إلا بعد تأكدهم أن الجزء الاكبر من تاريخ وحضارة العراق قد تم محوه تماماً، ثم غادروا، بينما قوات المارينز المنتمين «لحضارة» «التوماهوك» و«البي فيفتي تو» يتفرجون كأنهم يشاهدون فيلماً مملاً يريدون الانتهاء منه بأي شكل! لم يتدخلوا لوقف تدمير هذه الحضارة العظيمة، لكنهم سارعوا فوراً لحماية وزارة النفط! لم يشعر أحد بالجريمة وانشغل كل العالم ووسائل إعلامه في قضايا أخرى تافهة من قبيل ما هو مصير صدام حسين، وهل مات في القصف أم هرب أم تعرض لخيانة من قادة جيشه أو أقربائه، وهل كان قتل الصحفيين واستهدافهم مجرد صدفة أم لعبة ذكية لصرف الانتباه عما يحدث في الخفاء بعيداً عن كاميرات الفضائيات وازعاج الصحفيين غير المنضبطين؟ انشغل الجميع في كل هذه التفاصيل بينما أقدم حضارة في تاريخ الانسانية على الاطلاق كان يتم سرقتها واستباحتها على يد مغول العصر الجديد، أولئك الذين تنحصر كل حضارتهم في ثقافة المسدس وأفضل منجزاتهم كانت ترويج البرجر والشيبس والكولا أو عقاقير الهلوسة وأفلام البورنو اضافة لأحدث آلات الدمار! 200 ألف قطعة ومخطوطة اثرية وتاريخية ضاعت، آثار لا يمكن استعادتها أوتعويضها فهي أصلية ولا يمكن تقليدها.. هل تدركون كيف ان مخطوطة «اختراع الكتابة» قد ضاعت مثلما ضاعت أقدم نسخة من القرآن الكريم، أو النسخة الأصلية من ملحمة جلجامش، أو المكان الذي كتبت فيه أول نسخة من التوراة، وقيثارة أور، أو كل الاثار البابلية والسومرية والآشورية والأكادية. كثيرون سألوا ببلاهة منقطعة النظير: من المجرم؟ البعض ألصق العملية بالدهماء والغوغاء الذين بدأوا عمليات السلب والنهب عقب سقوط النظام في العاصمة، وفات هؤلاء ان هؤلاء الدهماء كانوا مجموعة متنافرة من الغلابة، أو اللصوص الصغار أو البلطجية والحانقين على صدام، وكان كل همهم هو إما التنفيس عن غضبهم أو سرقة ما تيسر، ثم ان هؤلاء لا يمثلون غالبية الشعب العراقي الذي تحركت جموعه لاحقاً لمطاردة هذه الفئة ومصادرة بعض ما تمت سرقته وايداعه في المساجد ريثما يتم اعادته للمؤسسات العامة والوزارات التي تم نهبها. ثم ان السؤال الاهم هل ينشغل اللص العراقي الصغير بسرقة مبلغ مالي أو ثلاجة من مؤسسة حكومية أم بقطعة أثرية لا يعرف قيمتها، وحتى إذا كان هذا اللص هو من دخل المتحف لسرقته، هل ينشغل باحراق المبنى أو المكتبة التاريخية، التي يدرك أي شخص أنها لم تكن ملكاً لصدام ونظامه؟! اليونسكو فضحت المجرمين الحقيقيين حينما أكدت قبل أيام على لسان منير بوشناق نائب مديرها العام ان المنظمة الدولية بعثت بوفد إلى وزارة الدفاع الأميركية قبل بدء الحرب وتم تسليمهم خريطة وقائمة بالمواقع الاثرية.. ليس ذلك فقط بل ان ماغواير جيبسون الاستاذة بجامعة شيكاغو وكانت ضمن وفد اليونسكو أيضاً قالت: «اننا حذرنا الاميركيين من أعمال السلب والنهب التي ستتم سواء أثناء الحرب أو بعدها، لكنهم أكدوا لنا انها ستصان». الصيانة على الطريقة الاميركية تمت أثناء الحرب حينما خرجت قذيفة غاشمة عمياء نحو متحف بغداد الوطني الذي قال أحد الآثاريين العالميين الكبار ان لا شيء يعادل قيمته سوى متحف القاهرة، أما ما لم تقدر عليه القنابل والصواريخ فقد تكلفت به عصابات الآثار المنظمة. من المستفيد من هذه الكارثة؟ اثنان لا ثالث لهما كما يقول كثيرون: الأول هو لوبي تجار الآثار العالميين ومقرهم نيويورك، والغريب ان تحذيرات دولية عديدة صدرت أثناء الحرب لتحذر من هذا الأمر، لكن لم يسمع أحد، أو بالاحرى لم يرد أحد أن يسمع! خاصة ان هذا اللوبي المتنفذ في أميركا بدأ يمارس ضغوطه من أجل تخفيف القوانين الهادفة لحماية الارث الثقافي العراقي، أما المعلومة الأهم فهي ان الولايات المتحدة وبريطانيا بين قلة من الدول التي لم توقع على اتفاقية لاهاي عام 1953 والتي تلزم الاطراف المتحاربة بحماية الارث الثقافي في موقع النزاع. الطرف الثاني هو من خطط وشجع لاندلاع هذه الحرب، ليس فقط للاستيلاء على نفط العراق وثرواته والتحكم في المنطقة كي تسهل عملية الهيمنة على العالم، بل لتجريد العراق ومعه العرب والمسلمين من هويتهم عبر سرقة وتخريب أعز ما يملكون، وهو الحضارة وإعادتهم إلى نقطة الصفر.. في هذا الاطار علينا ان نتذكر ان الاسرائيليين لم ينسوا ثأرهم القديم، وهو الانتقام لما فعله بهم الملك البابلي نبوخذ نصر قبل الميلاد وتشريده لهم فيما يعرف بـ «دمار هيكل سليمان» او «السبي البابلي». الكارثة لم تكن سقوط صدام الكرتوني وتبخره، فربما كان ذلك الخبر الجيد الوحيد في هذه الكارثة الشاملة، الكارثة أيضاً لم تكن تدمير البنية التحتية وحرقها سواء بفعل القصف أو عمليات السلب والنهب، فتلك أمور يمكن حلها عبر توفر الأموال، كما ان الاحتلال المباشر للعراق الآن سينتهي ان آجلاً أو عاجلاً، فلم نسمع عن احتلال استمر للأبد بفعل مقاومة الشعوب.. الكارثة هي ما تم للآثار العراقية.. وإذا كان كولن باول «حمامة الادارة الاميركية» قد تعهد صباح الثلاثاء ببذل أقصى الجهود لاعادة ما تبقى من الآثار.. فإن الصقر رامسفيلد نسف كل محاولات التجميل مساء اليوم نفسه حينما شبه الكارثة بشغب مباريات الكرة!! هل سمعتم عن انسان اكثر بؤساً من رامسفيلد؟! emadiraqi@yahoo.com