الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 بعد تاريخ 9/4 الماضي، يوم دخول قوات الغزو الاميركية الى شوارع بغداد وضواحيها، كان مطلوبا من الاعلام العربي ان يكون اكثر وعيا بخطورة الحدث، واكثر حذرا وحيطة مما يمكن ان تقود اليه تداعيات الصورة المتلفزة بهذا التكاثف والفيضان العجيب الذي بالغ فيه اعلامنا حتى بات وكأنه أحد أبواق الدعاية الاميركية المحتفية بحدث احتلال العراق، وسقوط المقاومة! الفيضان الاعلامي بهذه الصور المتكررة، والتعليقات المشتبهة حول (لصوص) بغداد، وسقوط جيوب المقاومة، واستسلام فيالق الجيوش العراقية، والفلتان الامني الذي قاد لجرائم بشعة طالت المكتبات والجامعات والمتاحف و .. على ايدي بعض العراقيين .. هذا الفيضان وهذا التركيز على هذه المشاهد ضاعف النكبة في النفوس، واسقط الجميع صغارا وكبارا في بحار من اليأس والهزيمة الداخلية وكان يمكن للاعلام ان يقوم بمهمته الوطنية في هذه الظروف بشكل اكثر وعيا! وبتحول مقداره 180 درجة، تحول اعلامنا من محطات تروج لمقولات الصحاف بهزيمة الاميركان (العلوج) وسحقهم وحرقهم في دباباتهم الى اعلام يتندر على الرجل، ويحوله الى ما يشبه حصان طروادة الذي خرج من بطنه جنود الاحتلال في الاسطورة القديمة، اما التحول الاخطر الذي تمارسه بعض فضائياتنا تحت ذريعة الرأي والرأي الآخر فهو تلك المحاولة المشبوهة لترويج فكرة الاميركي الطيب الذي جاء الينا ليقدم الحلوى والفرح لاطفالنا!! تعلم الفضائيات العربية بلا شك مدى تأثير الصورة التلفزيونية على المشاهد ووقوعه في ابهارها لدرجة تغيير المفاهيم، وتكوين مفاهيم اخرى، ولذلك يتم عمدا وبسوء نية، تكرار صور (لصوص) بغداد ومخربي المتاحف والمكتبات، مع تكرار الافلام التي تحكي عن ديكتاتورية صدام وظلامية الفترة التي امسك فيها بزمام حكم العراق مع ولديه واركان القيادة القطرية لحزب البعث، وكأن فضائياتنا قد اكتشفت فجأة ـ مثل اميركا تماما ـ بأن صدام حسين كان طاغية يقتل شعبه كما يشرب الماء! نعلم بأن المطلوب من وراء ذلك التركيز على فظائع نظام صدام هو تكريس المزيد من الكراهية، وتوليد المزيد من الامتنان ايضا للمحررين او كما يقول البعض بأنهم سلاطين الفرات الجدد، وحكام الزمن الآتي! لكن وبدون ان يدري ـ وربما يدري ـ فان اعلامنا الذي يفيض علينا بصور الفوضويين العراقيين، واللصوص، وفظائع العهد البائد، يقوم بعملية غسيل دماغ في اتجاهين: حجب فظائع العهد القادم الذي ما عاد في حكم الاحتلال بل صار استحلالا لكل شيء، بدءا بمياه دجلة، وكرامة العراقي، وارض الرافدين وصولا الى نفط العراق ومستقبله، فأين الوثائق والافلام الموثقة للسياسة الاميركية طيلة القرن الماضي، في كل مكان من اميركا اللاتينية الى جزر المحيط الهادي وآسيا الشرقية .. الخ. اين ممارسات الولايات المتحدة في كل اتجاه لقمع حرية الانسان والسيطرة على موارده ومقدراته وسلب خياره وقراره الديمقراطي؟ اظن ان الوثائق موجودة كما هي الوثائق حول صدام وطغيانه و .. الخ. الاتجاه الثاني في عملية غسيل الدماغ تؤشر مباشرة لاجيالنا من الاطفال والصغار هؤلاء الذين لهم مع مشاهد الدمار والقتل والدماء واشلاء الاطفال حكاية اخرى ترسم نفوسا متعبة مثقلة بأسئلة تفجر رؤوس الامهات احيانا، وترسم صورة سوداء لاجيال عربية تريدها الولايات المتتحدة ان تكون مملوءة بالرعب من الصنم الاميركي الذي سيحكمهم، ومستعدة للتنازل عن كل شيء لهذا الامبراطور الآتي مقابل السلام وابتعاد شبح الحرب والدمار وتقطيع الجثث وبتر الاطراف!! الاعلام يبذر في نفوس ابنائنا قناعات خطيرة فلينتبه الجميع. Aishasultan@hotmail.com