الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 مثل كل الجدود أرى حفيدي شديد الذكاء، ولكنني ألحظ بشكل خاص أنه يستخدم ذكاءه في التسلل من الطابق الأعلى حيث يسكنون إلى الطابق الأول حيث نسكن. ولكن أمه تحرس البوابات الملكية حرصا على المذاكرة، ففي كل يوم امتحانات، والمقرر ينوء بحمله طفل. ولكن يبدو أن وزارة التربية والتعليم رأت أن مستوى التعليم لابد أن يرقى بزيادة المناهج ومضاعفة الكتب وتعقيد الامتحانات. وهي سياسة ثبت خيبتها الشديدة. ولكن الوزارة تعرف أكثر. وأنا من جيل لم يعرف المذاكرة بمعناها الحالي إلا في السنتين الأخيرتين من الدراسة الثانوية. ولم يعرف الدروس الخصوصية، إلا في حالات نادرة. ولأنني من هذا الجيل فأنا لا أفهم الحكمة في إغراق التلاميذ في مقررات يذاكرونها ويمتحنون فيها، ولا يستوعبون منها شيئا. المهم أن هذا الحفيد الذكي ـ على طفولته ـ حمل كتاباً وتقدم إلى الباب، فاستوقفته حارسة الباب، أي أمه، وسألته الى أين هو ذاهب. فقال في جد أنه نازل الى تحت لأنه يريد أن يسأل «جدو» في شيء مهم خاص بالدراسة.. ولما سألته الأم عن هذا الشيء قال انه الخديو عباس حلمي الثاني. فلما أبدت دهشتها لأنه لم يسألها قال: ولكنك لا تعرفين الخديو عباس، أما جدو فبالتأكيد كان يعرفه شخصيا! ولأن الخديو عباس حلمي الثاني نُفي من مصر - أو وهو خارج مصر - في عام 1914 فمن المستحيل أن أكون قد عرفته. وهكذا صارت القصة نكتة البيت معظم شهر إبريل، رغم أننا كلنا لم نستطع أن نضحك على أي نكتة مهما كانت طرافتها. كنا نتجرع المر أمام التلفزيون كأساً وراء الآخر. قلت لحفيدي إن عباس ترك مصر قبل أن أولد بزمن، وحتى لو كنت عشت في حياته ما عرفته، فلقد كان من المستحيل أن يقابل مثلي مثله. وحتى لو أننا تقابلنا تحت أي صدفة، لن تكون هناك فرصة لأن أعرف عنه أكثر مما هو مكتوب في كتاب وزارة التربية والتعليم. ولكي لا أخيب أمله في «قِدم» جده، والقاف في قدم بالكسر، أخذت أحكي له عن ذكريات الحرب العالمية الثانية التي شهدتها طفلا، وكنا نعيش في بلدة اسمها «كرداسة» اشتهرت بعد ذلك بصنع الجلاليب. وكنا نجلس في فراندة الدور الثاني نرقب كشافات الحلفاء وربما الجيش المصري وهي تبحث في السماء عن الطائرات المغيرة. كنا بعيدين عن الغارات التي كانت تقصد القوات البريطانية، فكنا نشعر بالأمن وتتحول الكشافات الى لعبة جميلة، سبقت أضواء الاحتفالات بعد ذلك بسنوات. ومع ذلك كنت أشعر بغصة، فالطائرات الألمانية تبحث عن أهداف، وقد يكون الهدف بيتا آمنا مثل بيتنا. ووجدت أنني أحزنت حفيدي، فتوقفت عن ذكرياتي. لكنني لم أستطع إلا أن أتابع ما رأيته في حياتي أو بعض ما رأيته في حياتي. قفزت - فالشريط ليس حسب المسار التاريخي الدقيق - الى عام 1956 ونحن نهرع الى قناة السويس مجموعة من الطلبة من بينهم: مصطفى الحسيني الصحفي الكبير الآن - والدكتور محمد عمارة الداعية الاسلامي الآن أيضا - وغالب هلسا الروائي الأردني الراحل - وفاروق عبدالقادر الناقد الكبير وغيرهم. وأذكر المدرعات والعربات التي ضربتها الطائرات. وأذكر الخراب الذي ساد المنطقة، لكن تغيب كل الصور لأتذكر ذلك الحادث المأساوي الذي نتذكره كوميديا، وهو تأجيرنا لمركب صغير من طفل ابن لصياد، ونحن ننوي أن نقوم بعملية عسكرية على الجانب الشرقي للقناة حيث كانت قوات العدوان الثلاثي. ولكننا نسينا جميعا أن قيادة مركب حتى لو كان صغيرا تحتاج الى شيء من المهارة كنا نفتقدها كثيرا. أما أبشع ما نسيناه هو أننا جميعا لم نكن نعرف السباحة! وبعد أن خرجنا بالمركب بعيدا عن الشاطئ أردنا أن نغير اتجاهه، فانقلب المركب رأساً على عقب في سابقة غير مألوفة، ولم نرها لا قبل ذلك ولا بعد ذلك في السينما. وبقينا عدة ساعات في مياه مثلجة إذ كنا في قمة الشتاء. وبعدها أرسلنا الوحيد الذي ادعى أنه يعرف السباحة، لإحضار النجدة، وفعلا أنقذونا من إحدى التجارب الخائبة كنا نظنها الأولى والأخيرة. لكنها لم تكن الأولى ولا الأخيرة. وعندما تمت الوحدة كنت مازلت طالبا. ولم يكن هناك من هو أكثر مني فرحاً لهذه الوحدة فلقد آمنت منذ الصبا بفكرة القومية العربية. وكان أقرب الزملاء لي هم الذين أتوا للدراسة في مصر من عدد كبير من الدول العربية.. وعرفت منهم الكثير عن العالم العربي مما لم أجده في الصحف والكتب والجامعة. وخرجت في مظاهرة حاشدة في ميدان التحرير نهتف للوحدة، ودموعنا تسيل فرحاً. ولم تواجهنا قوات الأمن فزمان كانت قوات الأمن تفرق بين مظاهرات التأييد والمظاهرات العدائية، عكس ما نحن فيه الآن، فقوات الأمن تعتبر أن كل المظاهرات معادية حتى لو كانت تهتف بحياة رجال الأمن. ولكن الفرحة لم تتم. حدث هذا من قبل وحدث من بعد. وعرفت مبكراً بخبر الانفصال. ورأيت الحلم الذي عشته ينهار، ويسقط على الأرض مدوياً. كنا نعرف أن أميركا تآمرت على الوحدة والقوى الاستعمارية، وقبل ذلك وبعده اسرائيل التي أحست أن مصر وسوريا أصبحتا طوقا يهدد أمنها. وليس هناك حرب خاضتها مصر دون أن تتحد مع سوريا. وليس هناك من حرب خاضتها سوريا دون أن يكون عمقها الاستراتيجي في مصر. وهذا ما أدركه أصحاب الرؤية الاستراتيجية منذ العصر الفرعوني. ومنذ محمد علي الى جمال عبدالناصر. وعندما قام أحمد عرابي بثورته ضد النفوذ الأجنبي خشي انقلاب الدولة العثمانية عليه، فأراد أن يكّون حلفا مصريا - سوريا ضدها لكن الأحداث لم تمهله ليفعل هذا. وعندما انفك الطوق وسط تهليل الصغار بكيت. وأقفز دون ترتيب الى مصرع جيفارا، كان الطبيب الأرجنتيني أو الوزير الكوبي أو الثوري الأسمى قد حارب في كل مكان ضد الاستعمار الأميركي، وأصبح أسطورة زماننا. كل منا تمنى أن يضع صورته في غرفته. لكننا لم نكن نملك ثمن الصورة، وإذا كنا نملكها لم نكن نجدها. الآن أضع صورة جيفارا خلفي وأنا أكتب كما لو كنت أرجوه أن يحميني. وأضع له لوحة في غرفة نومي لأراه قبل أن أغمض عيني. لكن ذلك ما عاد يجدي، فلقد أخذ جيفارا معه الى القبر ـ إذا كان قد دفن في قبر ـ أحلامنا وكان يظن أنه يورثنا أحلامه.. إنني أعتذر لجيفارا كل يوم مرة عن نفسي ومرة عن جيلي ومرة عن البشر الذين أنتمي اليهم. لم نصدق في البداية أنه مات، فالقصة حسب القواعد لم تنته بعد، ومازال أمام جيفارا الكثير ليفعله. مازالت أميركا طاغوت الشر، ومازال البشر يعيشون في الظلم. لكن الخبر السييء ألح. كذبناه في البداية. أنكرناه. وصاح الشيخ إمام بكلمات أحمد فؤاد نجم: جيفارا مات! وأصبحت أشهر أغنية في زماننا رغم أنها لم تذع في الراديو أو التلفزيون! قصص كثيرة يا حفيدي العزيز رأيتها طوال عمري الذي امتد من بعد عباس حلمي(!) الى الآن. وفي النهاية أرى بغداد تحترق، والأشاوس يختفون، والأكاذيب تقتل أي كلمة صادقة، والعسكري الأميركي يضرب العراقي على رأسه وكلما رفعها ضربه حتى يحني رأسه. قصة طويلة لها فصول كثيرة شاهدتها واحداً واحداً، ومع ذلك فمازلت قادراً على أن أعيش.