الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 جاء السقوط الدراماتيكي لبغداد في التاسع من أبريل إيذانا بنهاية مرحلة في تاريخ العراق والمنطقة بكاملها وبداية مرحلة جديدة الله وحده يعلم حجم التغييرات والتطورات المنتظرة والمترتبة على ذلك ولكي نستبين ملامح المرحلة المقبلة يجب أن نقرأ الأحداث الحالية بدقة حتى نستشف منها صورة المستقبل والأخطار المحدقة بنا وأبدأ بتسجيل تلك الأحداث في النقاط التالية: - جاء تسليم بغداد في صفقة مريبة بدأت تتبين بعض ملامحها وتتسرب إلى الصحف أخبار تشير إلى أن بعض قادة الجيش العراقي غدروا بالقيادة السياسية وأرشدوا عن أماكنها فضربتها قوات الاحتلال بالقنابل في أماكن تواجدها بحي المنصور ببغداد يوم الأثنين السابع من إبريل فقضى في القصف صدام حسين وولداه عدي وقصي وعدد من القادة العسكريين والقادة السياسيين ضربتهم طائرة أميركية بأربع قنابل دكت المنزل الذي كانوا يجتمعون فيه وحولته إلى كومة من الأنقاض ثم سلموا بغداد لقوات الاحتلال بعد أن حصلوا على صك الأمان وخرجوا بعيدا عن مسرح الأحداث مولين الأدبار مما أصاب الجماهير العربية بالصدمة والحيرة فقد كانت تلك الجماهير تراهن على معركة بغداد وتعقد عليها الأمل في تلقين قوات الاحتلال درسا لن ينسوه مما سيضطرهم إلى الخروج من العراق والمنطقة سريعا ويفشل مخططاتهم تجاه المنطقة. - والجدير بالذكر أن الخيانة التي أقدم عليها بعض القادة العسكريين في بغداد بإبرام صفقة مع قوات الجيش الأميركي تذكرنا بما فعله بعض العراقيين الذين تآمروا مع قادة المغول قبل حوالي سبعة قرون ونصف حينما دخل المغول بغداد وفي صحبتهم بعض الخونة وعلى رأسهم الوزير ابن العلقمي. - أن النصر السريع الذي حققته القوات الأنجلوأميركية في العراق فتح شهيتها إلى مزيد من الدماء فجاءت التهديدات المتلاحقة لسوريا على يد العديد من القادة في الإدارة الأميركية بدءا من الرئيس الأميركي جورج بوش مرورا بوزير الخارجية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه ولفوفيتز والمتحدث باسم البيت الأبيض أري فليشر الذي أكد على ضرورة أن يفهم النظام في سوريا حقيقة الوضع الجديد في المنطقة في إشارة دالة ومهمة تعني الكثير والكثير ليس فقط لسوريا ولكن لجميع الأطراف وجاءت هذه التحذيرات الأميركية لسوريا بأنها تمتلك أسلحة دمار شامل وتؤوي عناصر من أفراد النظام العراقي المنهار متزامنة مع اتهامات صهيونية لبعض قادة دولة الكيان الصهيوني لسوريا بأنها تمتلك أسلحة كيماوية وتساعد الإرهابيين وتؤوي عناصر إرهابية تحذير سوريا، فقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي أن هناك طلبات إسرائيلية تتلخص في حوالي 12 بندا تفضل إسرائيل أن تتقدم بها إلى سوريا عبر واشنطن وتتلخص مجمل هذه الطلبات في طرد بعض مسئولي منظمتي حماس والجهاد الفلسطينيتين الموجودة بسوريا ووقف دعم سوريا لحزب الله في الجنوب اللبناني بمعنى آخر هدف التهديدات الأميركية لسوريا يتلخص في القضاء على جيوب المقاومة التي تزعج إسرائيل والتي تجد تعاطفا سوريا فالمطلوب في المرحلة القادمة أن ينام السادة في تل أبيب ملء جفونهم دون أي منغصات تعكر صفوهم أو تقلقهم. - وقد بدأت ثمار هذا النصر الأميركي البريطاني السريع في العراق حيث دمر المخربون على مرأى ومسمع من قوات التحالف المؤسسات والبنوك والجامعات والمتاحف والمخطوطات الأثرية والنادرة ومباني الوزارات بالطبع ماعدا وزارة النفط..! التي سارعت قوات الاحتلال لحمايتها وتأمينها مما يكذب هدف هؤلاء أنهم جاءوا لتحرير العراق اللهم إلا إذا كان مفهوم التحرير لديهم يعني تحرير العراق من كل ما فيها من آثار وجامعات وبنية تحتية حتى تعود صفحة بيضاء لقد نهب من المتحف الوطني العراقي وحده 170 ألف قطعة أثرية تمثل ذاكرة حضارة تمتد لأكثر من 7 ألاف عام وتقدر قيمة هذه الآثار بالمليارات. صحيح أن أميركا دولة بلا تاريخ ولا تعرف حقيقة ومعنى الآثار ومدلولها التاريخي والحضاري ومن يزور المتحف الأميركي بواشنطن الذي زرته في ديسمبر 1995م يدرك تلك الحقيقة بوضوح لكن بالتأكيد جريمة نهب المتاحف والمخطوطات تعكس المؤامرة على محو ذاكرة هذا الشعب العراقي العريق صاحب الحضارة الخالدة كما أن نهب مكتبات الجامعات ومراكز البحوث على يد عصابات منظمة يؤكد التآمر من قبل قوات الاحتلال مع هؤلاء المخربين من الجواسيس والمتآمرين. - فإذا أضفنا إلى هذا ما أعلنته الإدارة الأميركية مؤخرا من أنها تنوي نقل 20 ألف عالم عراقي إلى أميركا فهذا يؤكد أن هدف أميركا من احتلال العراق ليس تحرير العراقيين من نظام مستبد فاسد سقط مع سقوط بغداد ولكن تريد تجريد هذا الوطن من خبراته العلمية - للعلم النظام الفاسد في العراق أرسل أكبر عدد من الباحثين على مدى ربع قرن للتعلم في أكبر الجامعات الأميركية والأوربية وخصوصا في العلوم العملية والدقيقة وقيل أن هناك حوالي 3000 عالم عراقي مطلوبين ومرصودين منهم حوالي 300 عالم خبرة نادرة في مجال النووي والتسليح قيل أن عملاء الموساد دخل إلى الأراضي العراقية بهدف تصفيتهم- ونهب ثرواته وبنوكه ونفطه الذي قيل أنه مرهون لأميركا حتى عام 2060م حتى يوفي ديوناً مقدارها حوالي 400 مليار دولار وقد أعلن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني أن أميركا تخطط لأن تسحب حوالي 3 ملايين برميل يوميا من نفط العراق من نهاية عام 2003م وهذا يعني ضرب مؤسسة أوبك في الصميم والاستغناء تقريبا عن نفطها مما يعني أن أميركا تخطط للسيطرة على أسعار النفط العالمية كما تسيطر على سوقه فتعطي من تشاء وتمنع من تشاء وخصوصا دول أوروبا التي وقفت ضد أميركا في الحرب وعلى رأسها فرنسا وألمانيا. - وأخيرا فإن تنصيب حكومة عسكرية في العراق بقيادة الجنرال غارنر ذي الميول الصهيونية والمختار من حكومة الكيان الصهيوني في إسرائيل يؤكد أن الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد حسب نصيحة وزير الخارجية الأميركي الأسبق كيسنجر هذا العجوز اليهودي صاحب النصائح الممتلئة بالسموم والتي تصب في خانة اليهود على طول الخط تؤكد قرب تحقيق حلم اليهود بترحيل عدد كبير من الفلسطينيين ودمجهم مع الأردن في دولة واحدة بعد ضم جزء من غرب العراق لتلك الدولة ليس هذا فقط بل ان الحاخامات في إسرائيل صرحوا بأن العراق جزء من إسرائيل الكبرى كما صرح قادة الكيان الصهيوني في إسرائيل بأن ممتلكات اليهود العراقيين تقدر بحوالي 13 مليار دولار كما أعلنت إسرائيل أنها ستمد خط النفط بين الموصل وحيفا مما يوفر عليها الكثير من النفقات. كل هذا يؤكد أن هذه الحرب كانت بالتأكيد حربا لصالح دولة الكيان الصهيوني وأن تداعياتها عربيا وإسلاميا مازال يحمل في طياته الكثير والكثير مما سيتكشف مع الأيام والشهور القليلة القادمة مما يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة هي مرحلة استعمار أميركي جديد يقوم على مبدأ القوة الغاشمة ويتصرف كالأسد الجريح غير عابيء بالقيم والمباديء ولا بالقانون والمؤسسات الدولية كل مايهمه أن يثأر لأحداث سبتمبر الذي وقع عبئها ظلما وبهتانا على العرب والمسلمين. ـ كاتب مصري ـ جامعة الإمارات