الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 لا يتحدث الاعلام الاسرائيلي كثيرا عما تريده اسرائيل من نظام الحكم المقبل في ما يطلق عليه بحسب التعبير الاميركي «العراق الديموقراطي» او «عراق ما بعد صدام»، او عما تتوقعه منه. بل ان هذا الاعلام نادرا ما يتطرق الى هذه النقطة في ما يكتبه من تحليلات وتعليقات على الحرب الاميركية - البريطانية التي اعلنت منذ اليوم الاول لبدء عملية الغزو انها لا تريد الا تغيير النظام هناك. بين القلائل الذين اثاروا هذه النقطة، كان ناتان غوتمان الذي كتب في «هآرتس» قبل ايام مقالا بعنوان «ماذا عن اسرائيل ؟!»، توجه فيه بالسؤال الى بعض المسؤولين الاميركيين. وبحسب المقال، فاحد الردود الاميركية، على لسان مارك غروسمان نائب وزير الخارجية السابق واحد الذين ترددت اسماؤهم لتولي مهمات في اعادة بناء عراق ما بعد الحرب، جاء في صيغة سؤال بدوره. قال غروسمان : «هل سيكون الاعتراف باسرائيل اول ما سيفعله العراقيون ؟!. ليست لدي اية فكرة عن ذلك، لكنني آمل بالتأكيد ان يكون من بين اول ما سيفعلونه». بعده بأيام اعرب كاتبان آخران، هما يوئيل ماركوس وألوف بن، عن رأيهما بان «الحرب على العراق هي في حد ذاتها خدمة عظيمة لاسرائيل»، وان «ضرب القوة المسلحة العراقية هو للدفاع عن امن اسرائيل»، وان كانا اضافا انه اذا كان هذا هو الحال فينبغي اذا على حكومة ارييل شارون ان تستعد لمرحلة «ضغوط» تمارسها عليها واشنطن من اجل الوصول الى تسوية ما للوضع في الاراضي الفلسطينية المحتلة. لكن تلك قضية اخرى ليس هنا مجال الحديث عنها. القضية هنا هي أين تأتي اسرائيل في سلم اولويات الادارة الاميركية لشن الحرب، واين موقعها من اهداف هذه الادارة، وهي كثيرة ومتنوعة، من عراق ما بعد صدام؟! لقد قيل الكثير عن «رؤيوية» الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش وعلاقته بالكنائس المسيحية الصهيونية الناشطة بقوة في الولايات المتحدة، وكذلك عن «ايمانه» بأن المسيح سيعود الى الحياة الدنيا وان عودته هذه تتم فقط بعد اقامة اسرائيل التوراتية وتجميع يهود العالم كلهم فيها ثم اعادة بناء الهيكل.. وعن ان موقفه من رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون وحربه التدميرية ضد الشعب الفلسطيني ليست منفصلة عن تلك «الرؤيوية» وذلك «الايمان». هذه «الرؤيوية» التي يصفها جون ماكغفرن في مجلة «The Nation» بأنها «رسالة من الله» يدعيها بوش لشن الحرب على العراق بينما يقول رأس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان ان لديه رسالة اخرى من الله تدعوه للوقوف ضد الحرب. كما قيل الكثير ايضا عن صهيونية وليكودية الطاقم الفاعل في ادارة بوش، سواء في البيت الابيض او وزارة الدفاع او مجلس الامن القومي، وعن ان خطط هذا الطاقم ( حتى قبل ان يتولى بوش مهماته ) من اجل ضرب العراق وتغيير النظام فيه تستهدف في المقام الاول حماية اسرائيل وتفكيك ما بقي من الجدار العربي. كما قيل الكثير كذلك عن دور نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفوفيتز، وكل من المستشارين دوغلاس فيث وريتشارد بيرل (قبل ان يستقيل هذا الاخير بسبب فضيحة مالية)، في تقديم النصح لرئيس وزراء اسرائيل الاسبق بنيامين نتنياهو في التسعينبات للتنصل من عملية التسوية مع الفلسطينيين، وحتى من اتفاق اوسلو ذاته، وتركيز تحالفه مع الولايات المتحدة من اجل اسقاط النظام العراقي، وايضا عن دور هؤلاء في تغطية حرب شارون على الشعب الفلسطيني. الا ان الجديد في هذا الاطار، اطار الحرب على العراق، كان ما نشرته مجلة «السياسة الخارجية» Foreign Policy الاميركية في عددها لشهر مارس الماضي في صورة محضر لندوة عقدت بين بيرل ورئيس حزب الخضر في البرلمان الاوروبي دانييل كون-بينديت في واشنطن عشية بدء الحرب الاميركية على العراق. قال بيرل ردا على انتقادات كون-بينديت للحرب، ولموقف الولايات المتحدة غير المهتم بالقضية الفلسطينية، ما يلي حرفيا : «أنت تتخيل ضابطا اميركيا يدوس العراقيين بنعاله ويؤكد اسوأ مخاوف المسلمين في العالم باننا قوة عدوانية امبريالية. ان لدي رؤية اخرى مختلفة. عندنا احمد الشلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي الذي سيدخل بغداد. انهاء النظام العراقي الحالي سيحرر العراقيين، الذين سنترك في ايديهم كلا من الحكم والنفط. سنقوم بتسليم السلطة اليهم بسرعة - ليس خلال سنوات، بل ربما حتى خلال شهور - من اجل اعطاء العراقيين فرصة تشكيل مستقبلهم. العالم كله سيرى ذلك، واتوقع ان يكون العراقيون شاكرين لنا على الاقل بقدر ما هو الرئيس الفرنسي جاك شيراك شاكر لنا عملية تحرير فرنسا». هنا رد كون-بينديت، حسب محضر الندوة، قائلا : «أوه، رويدا.. ليس هذا صحيحا». استطرد بيرل قائلا : «ليس على احد ان يقول شكرا. يكفينا ان نعرف ان الشعب في العراق لن يعيش في خوف مذل». ويتحول الحديث الى افغانستان وسوريا والشرق الاوسط والقضية الفلسطينية، فيقول بيرل ردا على تساؤلات وانتقادات كون-بينديت : «ان فرص التسوية للنزاع الاسرائيلي - الفلسطيني ستتحسن فور ذهاب صدام. لقد اكد لنا قائد المعارضة العراقية احمد الشلبي وجماعته انهم يريدون عملية سلام حقيقية، وانهم سيعترفون بدولة اسرائيل. ليس هناك شك في ذلك لو انهم وصلوا الى السلطة. لا نستطيع ان نتوقع عملية السلام واعدة في المنطقة ما دام صدام حسين يعمل بقوة ضدها، بما في ذلك امطار اسرائيل بصواريخه كما فعل في حرب الخليج العام ,,1991. لقد قال الرئيس بوش انه اذا حول الفلسطينيون انفسهم الى محاورين يعملون من دون فساد وارهاب، فستدعم الولايات المتحدة اقامة دولة فلسطينية.. مع ذلك فما يزال الاوروبيون يدعمون ياسر عرفات ويرسلون اليه شيكاتهم المالية من بروكسل. هكذا وصلنا عمليا الى طريق مسدود». ما قاله بيرل قد لا يحتاج اذاً الى تفسير. انه يضع الحرب على العراق ( طبعا من ضمن اشياء اخرى مثل الهيمنة والنفط وغيرهما ) في سياق توفير الامن لاسرائيل، وصولا الى الاعتراف بها، من دون اية شروط عليها. بل هو يرى ان اطلاق صواريخ على اسرائيل - كما حدث في العام 1991 لظروف يعرفها الجميع - هي المشكلة بينما لا مشكلة البتة في استمرار احتلال اسرائيل لاراض سورية ولبنانية وفلسطينية ومواصلة حربها على الشعب الفلسطيني. اكثر من ذلك، فهو وجد الوقت للحديث مع احمد الشلبي، في ظل الشبق الاميركي لشن الحرب على العراق وازالة نظام الحكم فيه، عن موقفه وزملائه في المعارضة العراقية من اسرائيل والاعتراف بها واقامة علاقات معها. وفي حين ينتقد بيرل موقف الاتحاد الاوروبي لمجرد انه يقدم عونا ماليا للسلطة الفلسطينية، ويعتبر ذلك مثلبا ادى في ما ادى الى طريق مسدود كما يقول، فانه كما يبدو واضحا يراهن ليس على الشلبي فقط ولا على «عراق ما بعد صدام،» وانما على مرحلة عربية بالغة السوء والسواد بعد الحرب - اسوأ واكثر سوادا مما تلى غزو الكويت ثم تحريرها - يكون فيها العالم العربي اكثر استعدادا للقبول بالاملاءات الاميركية والاسرائيلية. هذا هو معنى قول بيرل ان «فرص التسوية في المنطقة ستتحسن بعد ذهاب صدام»، وهذا هو ايضا معنى العبارة التي سارع رامسفيلد الى اعلانها بعد دخول القوات الاميركية الى بغداد قائلا «ان على سوريا.. والدول العربية الاخرى طبعا.. ان تستخلص الدروس» من سقوط النظام العراقي، وهذا بدوره معنى ما قاله شارون بالمناسبة اياها وبالطريقة اياها من «ان على الفلسطينيين ان يتعلموا مما حدث». لقد قيل الكثير عن ان اسرائيل هي المستفيد الاول من الحرب على العراق، ليس لان نظام صدام حسين كان شوكة في خاصرتها او انه كان الشوكة الوحيدة، بل لأن من شأن احتلال العراق والسيطرة عليه وعلى المنطقة اميركيا ان يشكلا نقطة تحول تصب في مصلحتها اذا لم يتمكن العالم العربي، وبسرعة فائقة، من ان يتأقلم مع الوضع الجديد من دون ان يتخلى عما هو من ثوابت وحقوق اساسية في صراعه مع العدو الصهيوني وفي مواجهة مشروعاته الاستراتيجية للتوسع والهيمنة على الارض والشعب والثروة. ... وها قد حل الموعد، وبسرعة فائقة ايضا، مع الاستحقاق. ـ كاتب لبناني