الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 كان الحجاج بن يوسف الثقفي - بعد إذنك - من طواغيت العرب. مازلنا نذكر خطبته الشهيرة التي خاطب فيها أهل العراق - خفف الله آلامهم - فقال: ـ «إن أمير المؤمنين نثر كنانته بين يديه.. فوجدني بين سهامها أصلبها عودا وأشدها مكسرا.. فرماكم بي». لأمر ما.. ظلت هذه العبارات تعود الى الذاكرة الآنية ونحن نتابع الأسباب والذرائع التي لجأت إليها وساقتها الادارة الاميركية الحالية تبريرا لما قامت به من غزو العراق. كأنما عمدت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الى كنانة أسبابها وسهام ذرائعها.. كي تعجم أعوادها وتختار أصلبها عودا وأشدها مكسرا، تبريرا لشن حربها الضروس على العراق.. والمشكلة انها كلما طاش لها سهم وكلما خابت ضربات القوس.. عمدت الى سهم آخر واختارت سببا مغايرا وذريعة بديلة.. وهكذا تعددت الأسباب والذرائع والهدف واحد وهو احتلال العراق.. مابين ذريعة الحرب ضد الارهاب بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 ويومها طاشت مقولة ارتباط نظام بغداد مع تنظيم القاعدة.. بعدها اخرجت الجعبة الاميركية سببا اخر ظل العالم يتابعه بالتفصيل وهو حيازة أسلحة الدمار الشامل وهو ما لم تؤكده لا تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا أفضت الى توثيقه واثباته تقارير هيئة مفتشي الألم المتحدة بقيادة الدكتور هانز بليكس. بعدها ساقوا حكاية تهديد الجيران في الاقليم الفرعي الذي يقع ضمنه العراق.. وهو مالم يشهد بدوره شكوى يعتد بها لا من ايران ولا من تركيا ولا من العربية السعودية ولا من الأردن ولا من الجمهورية العربية السورية، وهم الجيران المتاخمون حدوديا رقعة العراق (وكانت الكويت هي الاستثناء وكانت حماقة الاعتداء الصدامي عليها غلطة تاريخية وخطأ استراتيجيا ظل الشعب العراقي يدفع ثمن فداحته مسغبة وحرمانا وحظرا للطيران وتعطيلا للمرافق وانهيارا في الخدمات والمستويات الصحية على مدار 12 سنة). ربما وجدت جعبة السهام الاميركية ان أصلبها عودا وأشدها مكسرا وربما ألمعها من حيث بريق الذرائع واغراء الدعاية هو الاطاحة بالنظام الحاكم في بغداد، وهو هدف حرصت دوائر الدعاية الاميركية على أن تحيطه بإطار غاية في البريق تعلوه لافتة ما برحت مرفوعة في أراضي الرافدين التي دخلتها الدبابات الأميركية - البريطانية وهذه اللافتة تقول: ـ تحرير.. العراق. الجهاد الأصغر والأكبر وإذا كانت الحرب عملية معقدة.. أعقد - كما نكرر دائما - من ان تترك أمورها للجنرالات، فمن باب أولى ان تكون عملية «التحرير» أعقد وأشد خطرا وتشابكا من ان تترك - لبارونات الحرب سواء كانوا من خريجي أكاديمية ساند هيرست الانجليزية أو أكاديمية نورث بوينت بالولايات المتحدة. أما وقد وضعت عمليات الاشتباك العسكري أوزارها فقد اصبح يتعين على قوات التحالف المحتلة ان تعمل على تفعيل وتشغيل الهيكل الاداري والمرافقي والخدماتي الكفيل بتلبية الاحتياجات الاساسية، بل هي المطالب الحيوية للشعب العراقي الذي ينشد الحرية من الغاصب الاجنبي بالدرجة الأولى. ثمة مستوى أعلى من ضرورات العمل بالعراق الراهن، وهو المستوى المتمثل في البعد السياسي للأوضاع التي نجمت عن تطورات الأحداث في العراق وتجسدت في ذلك الفراغ السياسي الرهيب الذي يجتاح هذا البلد العربي المفصلي الاهمية بالنسبة للوطن العربي وللشرق الأوسط. «انها السياسة.. ياغبي» هكذا يكتب الصحفي الاميركي نيكولاس كريستوف منبها الى الابعاد السياسية لقضية العراق في الوقت الراهن (صحيفة هيرالد تربيون، 9/4/2003). ومؤكدا عقم المحاولات التي تبذلها الادارة الاميركية من أجل «بيع» الحرب التي شنتها على العراق. أسلحة الدعاية صحيح ان القوم استعدوا للمسألة بشحذ أسلحة الدعاية - البروباجاندا - من أجل أن يكسبوا عقول وقلوب الناس في العالم العربي.. وقد تبدي هذا الاستعداد - على الطريقة الاميركانية وكما يوضح نيكولاس كريستوف - في اعداد منصة باذخة (لم يعرها احد اهتماما) لكي يتكلم من فوقها الجنرالات الاميركيون خلال مؤتمراتهم الصحفية اليومية التي كانوا يوضحون خلالها مسير الحرب ومصير المعارك وقد تكلفت المنصة اياها 250 ألف دولار(!) بعد أن تولى نصبها في مقر القيادة الاميركية المركزية في قطر اختصاصي محترف لا مجال هندسة الانشاءات، ولكن في ميدان.. الفنون.. المسرحية الاستعراضية(!). وصحيح - يضيف الصحفي الأميركي - ان ادارة الرئيس بوش لم تأل جهدا في ضم مراسلين عرب الى أفواج الحملة الاميركية وفي قواعدها ومقار قياداتها.. ولا قصرت في حث وزراء البيت الأبيض على الادلاء بأحاديث الى الميديا العربية المرئية والمكتوبة - وخاصة قناة الجزيرة.. في قطرها أيضا. حكاية راديو سوا وصحيح ان الميديا المسموعة نالت نصيبا لا بأس به ممثلا في راديو «سوا» الاميركاني التوجه والمصلحة والمضمون والايقاع حيث الهدف من الاذاعة «الشبابية» المستجدة يتمثل كما يقول نيكولاس كريستوف بغير مواربة في اغراء (اغواء) العراقيين وسائر العرب باصوات وايقاعات الحواريات الاميركيات من امثال جنيفر لوبيز، وصحيح كذلك ان هذا الاهتمام بجانب الدعاية وقد تولاه «جيم ويلكنسون» وهو من موظفي الاعلام سابقا بالبيت الأبيض وقد عمل لاحقا وحاليا كمدير لحملة العلاقات العامة في مقر القيادة الاميركية في قطر - بلغ الحد الذي خصصوا فيه مقعد قناة الجزيرة في الصف الأول من جلسة الصحفيين فيما لم تنل جريدة نيويورك تايمز - بجلالة قدرها - سوى مقعد في الصف الثاني.. كل هذا فضلا عن استعارة دبلوماسيين يتكلمون العربية من ملاك الخارجية الاميركية لمرافقة الجنرالات والاشراف على الترجمة الفورية (التتبعية ان شئت دقة المصطلح) لما يدلي به الجنرالات من تصريحات واحاديث.. ولدرجة متناهية الحرص حتى انهم كانوا يصححون للاميركان طريقة نطق الالفاظ اليعربية الصميمة (من ذلك مثلا ان تنطق الميناء العراقي الذي استعصى اياما على الدبابات الغازية على انه «أم قصر» ولا تسمحن لنفسك ان تحول الصاد الى «زاي» أو «ذال» فإذا بك تنطقها «أم قذر» وهو ما قد يجرح المشاعر اليعربية الرقيقة الحريصة على سمعة الامهات!) لماذا يكرهون أميركا؟! كل هذا كان صحيحا وقد سجلته كما يضيف صاحبنا نيكولاس كريستوف - وقائع أحداث الاسابيع الثلاثة الاخيرة. مع ذلك فقد ظل الكاتب الاميركي يطرح بإلحاح عجيب هذا السؤال: ـ مع هذا كله فلماذا يكره الجميع أميركا؟ ثم يجيب قائلا: ـ نعم الجميع.. بما في ذلك بريطانيا حيث أوضح استطلاع لأراء الجماهير هناك في الأسبوع الماضي (أوائل ابريل) ان أقل من شخص واحد من بين كل سبعة اشخاص (نحو 13 - 14 في المائة فقط) هم الذين يثقون في أن الرئيس الأميركي بوش يقول الحقيقة(!) وقد حاول الكاتب الاميركي ان يستجلي ابعاد المسألة فكان أن اجابه زميل صحفي من الصين قائلا: ـ صدقني أنها البروباجاندا.. النبرة الدعائية وأنا أعرف ذلك جيدا لأنني نشأت وترعرعت في بلد يعتمد أسلوب البروباجاندا. ثم اصغى الكاتب الاميركي أيضا الى عبارات قالتها زميلة صحفية - عربية هذه المرة هي الاستاذة راغدة درغام مراسلة «الحياة» في واشنطن، وكان الجميع يشاركون طبعا في تغطية الأحداث من «الدوحة» وقد عزا إليها فضل صياغة العبارة التي جعلها عنوانا لمقاله، وقالت فيها: ـ انها السياسة.. ياغبي.. سابقة من أيام كلينتون ولهذه العبارة قياس وسابقة في السياسة الاميركية المعاصرة.. وبالتحديد في السباق الرئاسي الذي احتدم مع فاتح التسعينيات بين الرئيس بوش - الأب والمرشح الشاب القادم من دواخل الريف الأميركي وقتها، وكان اسمه ويليام (بيل) جيفرسون كلينتون يومها رفع معسكر بوش - الأب لافتات الاقتصاد المؤزر في حرب الخليج حيث تم تحرير الكويت وطرد جيوش صدام حسين التي ولت الادبار الى صحراء جنوبي العراق. يومها رفع معسكر كلينتون لافتة تقول ان المسألة ليست حربا وانتصارا - بل المسألة هي حال الاقتصاد.. هي البعد الاقتصادي في حياة المجتمع الاميركي.. وقد عمدوا الى سبك وصياغة هذه اللافتة في العبارة التي اشتهرت أيامها بكل ما احتوته من تطاول وربما خروج عن اللياقة وهو أمر معهود وربما مسموح به في أدبيات - بالأدق لا أدبيات - السياسة الاميركية وهي: ـ انه الاقتصاد.. ياغبي. وربما كان هذا القياس في ذهن الكاتبة الصحفية العربية حين حاولت تفسير الفشل في كسب عقول العرب وجذب افئدتهم رغم دعايات الحرب واذاعاتها، فقالت: ـ انها السياسة.. الخ. ثم اردفت عبارة حرص على نقلها نيكولاس كريستوف فقالت: - انه ذلك التقارب الحميم (الى درجة التدليل) الذي يتعامل به الرئيس بوش مع ارييل شارون رئيس وزراء اسرائيل.. وتلك مسألة لن يفلح في تخفيف اثارها، لا عمليات الدعاية ولا أساليب اللف الاعلامي ولا الدوران.. بل الذي يصلح فيها هو اتخاذ مبادرة جادة ومتوازنة لإحلال السلام في الشرق الأوسط. تحالف تحرير الكويت والحق نقول ان جرعة الدعاية الزائدة في الميديا الاميركية قد اساءت الى حد التعمية والتضليل الى وعي الجماهير وادراك الناس - حتى بين صفوف النخبة المثقفة - فلم يعد احد يفهم الى ماذا تؤول الأمور. ولقد سبق لأميركا أن بعثت قواتها - كما هو مسجل ومعروف - الى الشرق الأوسط أيام حرب تحرير الكويت. يومها جاءت قوات الولايات المتحدة تحت لافتة ائتلاف تحالف دولي واسع النطاق ضمن - كما هو مسجل ومعروف أيضا - عددا من دول المنطقة بمعنى أطراف عربية كانت قد استنفدت جهود الاقناع والضغط المعنوي والتحذير والتنبيه مع النظام العراقي لعله يسحب قواته التي كانت معتدية وقتها من أراضي الكويت ويبطل بذلك سابقة مأساوية في السجل العربي المعاصر تتمثل في عدوان شقيق على شقيق مهما كانت الذرائع والأسباب فيما تؤدي، وقد فعلت - الى تبرير حشد التدخل من أطراف خارجية يعلم الله انها جاءت بدافع من محض مصالحها الخاصة مهما رفعت شعارات الانقاذ والتحرير. جهود الوزير بيكر يومها أيضا كان يقود سفينة السياسة في الولايات المتحدة وزير خارجية مقتدر اسمه جيمس بيكر.. امضى الرجل عدة أشهر في عملية دؤوبة لبناء تحالف شامل مؤلف من مستويات متنوعة ومركب من طبقات شتى.. ما بين مستوى مجلس الأمن الى مستوى دول الاقليم العربي الى مستوى التحالف الدولي ثم مستوى بناء توافق اراء جماهيري أو شبه جماهيري استند اليه شعار التحرير. لقد اسلمت واشنطن مقاليدها الى دهاقنة البروباجاندا العالية الصوت الزاعقة الألوان: يصدق ذلك على دعاية الداخل ودعاية الخارج على حد سواء: ** فعلى مستوى الداخل اشتعلت الساحة السياسية الاميركية بشعارات طنانة تردد في أميركا حكاية، الروح الوطنية وتهدد كل صوت يرتفع بالتنبيه أو النقد أو معارضة العدوان على العراق بأنه غير وطني وربما بأنه خائن للوطن وخاصة في زمن الحرب. وعندما صرح السناتور «جون كيري» وهو من قيادات الحزب الديمقراطي المعارض قائلا: ـ ان ما نحتاجه الآن ليس تغييرا في نظام صدام حسين والعراق بل نحن بحاجة الى تغير في النظام المعمول به في الولايات المتحدة (كان السياسي الاميركي يتحدث عن نظام للانتخابات.. وخاصة بالنسبة للسباق الرئاسي المقرر ان يبدأ في خريف هذا العام)، ساعتها انبرى له صوت من قيادات الحزب الجمهوري الحاكم ممثلا في مارك راسيكوت الذي لم يتورع عن أن يقول: ـ ان السناتور كيري تجاوز، بذلك خطأ فادح الخطورة عندما تجاسر على اقتراح تغيير القائد الاعلى للقوات المسلحة في وقت تخوض فيه أميركا غمار الحرب.. (وكان هذا نوعا من الارهاب المكارثي الجديد في السياسة الأميركية الحالية). أما على مستوى الخارج فقد ارتفعت نبرة الدعاية لدرجة الحديث عن ان كل شيء يمضي وفقا للخطط الموضوعة، دع عنك الاشادة بحكاية التحالف الدولي الذي يخوض الحرب في العراق وتصفه ماكينة البروباجاندا الاميركية بانه أضخم تحالف في التاريخ لكن هاهو نيكولاس كريستوف يقول في هذه النقطة بالذات: ـ ان جهود الولايات المتحدة في تصنيع تحالف عالمي ضخم انطوت على أمور بالغة الاحراج منها مثلا محاولة تجنيد كيانات سياسية اقرب الى النقط المجهرية المنبثة هنا أو هناك في ارجاء المحيط الهادي ومع ذلك رأينا البيت الأبيض يعلن في اعتزاز قائمة تضم الاقطار المؤيدة والمؤازرة (لأميركا وبريطانيا) وقد ورد في تلك القائمة اسم جزر سليمان (دويلة عملت أميركا منذ سنوات قلائل على ضمها الى عضوية الامم المتحدة ضمانا لأصوات الدعم والتأييد في الجمعية العامة). لكن المشكلة - يضيف كرستوف - ان الصحفيين سألوا رئيس وزراء «جزر سليمان» المذكورة اعلاه عن حكاية انضمام بلاده (الى تحالف شن الحرب على العراق) فما كان منه ان قال: ـ لست أدري شيئا عن هذا الأمر.. لا من قريب ولا من بعيد!! ـ كاتب سياسي من مصر