الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 مثل بالونة فارغة انفجرت في الهواء، وفرغت من هواء كان يملأ خواءها، سقط أو تبخر أو انتحر أو نُحر نظام بأكمله في لحظة تاريخية، تأخر موعدها مراراً بفعل التلاعب بكل الشعارات النبيلة والتماهي في قناع البطولة والدفاع عن بوابة العرب الشرقية للتغطية على عورة الاستبداد المطلق والقمع الوحشي لكل ما هو انساني، مستفيداً من أضخم جوقة تزييف وتبرير باتساع خارطة الوطن العربي، حتى سقطت كل الأقنعة ووصلت كل خيوط التناقضات الى المنتهى، وشُلَّتْ يد الماسك بمنوال غزل النسيج، ونكثت غزول من رمل. انتهى العرض المسرحي التاريخي العبثي في بث مباشر، صوره أشبه بالقصف بقنابل فتاكة تصيب المشاهد بصدمة، تنزع من عقله القدرة على اختراق ما وراءه وتجعله أسيراً لما يرى عاجزاً عن فهم ما جرى، وتدخله في سراديب الوهم والخداع، خداع الذات قبل خداع الآخر، وتعيده الى زمن الخرافة و«ضرب الرمل» وقراءة طالع النجوم، أو الإذعان لما يريده «القرصان الدولي» والإعلام صاحب الخوذة العسكرية الذي يشيع الضحايا بحفلة رقص ماجنة. ما جرى في بغداد يوم 9 ابريل سيبقى علامة فارقة في تاريخنا العربي والإسلامي، يستعصي على النسيان، أو التبرير والتفسير لأعوام مقبلة، ولن يجدي استرجاع سقوط بغداد في قبضة المغولي هولاكو، وتعزية النفس بأن تاريخنا مليء بنكبات مشابهة لنكبتنا الكبرى التي خرجت من جحر الاستبداد والفساد والعمى التاريخي مثل حية رقطاء لتلتهم كل ما هو نبيل من مشاهد البطولة والمقاومة في أم القصر والبصرة والنجف الأشرف وكربلاء، وتفح مشاهد مبتذلة شائهة مقززة لسقوط عاصمة الرشيد، ليس فقط في أيدي الأجنبي القادم على ظهر حصان «طروادة»، بل استسلامها الطوعي في أيدي عصابات النهب المنظم التي عاثت فساداً لتحرق وتدمّر كل ذاكرة العراق وكنوزه التاريخية. وكأن هؤلاء اللصوص أحفاد الصهاينة الأوائل، غارقون في رغبة دفينة للثأر التاريخي من أرض «نبوخذ نصر» وتأديب العراقيين على «السبي البابلي» القديم قبل الميلاد بآلاف السنين. نكبتنا الكبرى في بغداد، ليست من شجرة نكبة 48 وضياع فلسطين، ولا علاقة لها البتة باجتياح بيروت عام 1982، أو نكسة 5 يونيو 1967، بل نكبة فريدة في عارها التاريخي، الذي خلفه لنا استبداد أقرب لاستبداد وفساد فرعون والنمرود، وحمّل الأمة كلها أوزاره، وتلاشى بعد أن انتهك عذرية وقدسية المقاومة وأحبط آمال رجل الشارع العربي الذي لبى نداء بغداد قلعة الأسود وجبهة الشمس للوجود. نكبتنا الكبرى في بغداد، ما خلّفه سقوطها من ألغاز وصدمات ونكبات، من نكبة وأد عرس مقاومة الجنوب، وانتصار ارادة المزارع العراقي ببندقيته العتيقة واسقاطه أحدث المروحيات الأميركية وأسر طياريها، إلى نكبة التشهير والتنكيل بأهل بغداد، وبث صور فضائية لعمليات النهب المنظم وتدمير كل مؤسسات الدولة وكنوز الحضارة واحراق المكتبات، لاخفاء الحقيقة ومحو الذاكرة ومسخ الهوية، في حين المجرمين هم في الأصل من «الفلاشا» يهود العراق العائدين بصحبة لص البنوك المتواري خلف الأجنبي العائد للعراق وبصدره كل الأحقاد السوداء وثأر العملاء من بغداد. نكبة احراق متحف بغداد ومكتبتها الوطنية أدهى وأخطر من نكبة السقوط الطوعي دون حرب، ويتصاغر الى جوارها ما حرقه هولاكو من مكتبات وكنوز، لأن هولاكو لم يكن لديه كتائب إعلام من لابسي الخوذات، ولا بث فضائي مباشر يخلّصه من خطيئة الحرق والنهب ويلصقه بالرعاع والغوغائيين الذين لم يزد نصيبهم في تلك المحرقة عن قطعة أثاث، لكن كنوز الحضارة ومنها قدر يعود تاريخه لزمن سيدنا ابراهيم أبو الأنبياء كانت بأيدي فلاشا العراق العائدين من ميليشيات مسلحة تم تدريبها في المجر وأميركا على حروب العصابات واشاعة الفوضى والنهب.. وهو ما كان وبثته الفضائيات دون الاقتراب من بؤرة الحدث حتى يبقى الفاعل مجهولاً ونبقى نحن غارقين في الغموض والفهم الملتبس. نكبتنا في العراق، ليس فقط في سقوط بغداد، بل في سقوط أسلوب في التفكير والحكم والعمل السياسي، وتحت أسوار بغداد لم ينتحر «علوج» الصحاف، بل دفنت طوابير من المثقفين والسياسيين العرب الذين خانوا شعبنا العربي، وشاركوا في تدجينه وذبح أحلامه المشروعة بالتهليل للاستبداد باسم التضامن مع الشعب العراقي، أولئك الذين أدمنوا طيلة سنوات الحصار على تقديم فروض الولاء والطاعة لصدام حسين، وضخموا من نرجسيته المفترسة، لم يجرؤ أحدهم على أن يقول له لقد شاهدتك عارياً في شوارع بغداد، وان لك أن تستر عورة طغيانك، وسيبحثون اليوم عن آخر لتكرار اللعبة نفسها.. ساعتها ستكون نكبتنا أفدح، إن لم يصمت هؤلاء النخاسون في سوق السياسة.