الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 لنقرأ المشهد العراقي جيداً، لننزع ثوب العقل البارد، والتفكير المنطقي الذي يتعامل مع الحدث وتفصيلاته وكأنه لوحة سريالية.. فما يحدث في العراق بعيداً عن معارفنا ومعلوماتنا المؤرشفة والفلكلورية، كل الذين يسرقون المؤسسات العراقية، أغلبهم على الأقل يسرقون المباني، يحرقون مكاتب المسئولين، ويخربون قصورهم، لكنهم يفعلون ذلك بدافع الحقد على أصنام النظام وزبانيته وليس على الوطن، لأن أحداً منهم لا يفهم معنى الوطن أو لم يُمْهل ليعرف معنى هذه الكلمة الكبيرة جداً! الصبية الذين يركضون بجنون في شوارع بغداد، هؤلاء الفتية (اللصوص) لا يتجاوزون الثامنة عشرة أو العشرين، ولو عدنا بالذاكرة الى العام 1990، عام غزو الكويت أو النكبة العربية الثالثة (بعد نكبتي 1948 و1967) فإننا نستطيع التعرف على وجوه هؤلاء الزاعقين بجنون، والعابثين بحقد، فهؤلاء كانوا يومها يدخلون بوابة أعمارهم الغضة وهم يحملون من العمر خمس أو ست سنوات.. وطوال 12 عاماً وهم محاصرون، مجوعون، محرومون من أبسط متع الطفولة والشباب، حتى واتتهم الفرصة للانتقام بحراسة الحراب الأميركية! يحكي لي صديق عراقي، يحترق يومياً على ما يجري في وطنه، يقول: «نحن بعيدون جداً عن قلب العراق، لا نعرف حقيقة ما يحدث، وما حدث خلال سنوات الحصار، فكل الحقائق التي كانت تنشر عن طريق منظمات الأمم المتحدة لا تغدو كونها احصاءات رقمية، تصيب البعض بالأسى، والبعض الآخر بالدهشة والغضب، ثم سرعان ما ينسى هذا البعض وذاك البعض صور القتلى والأطفال المشوهين باليورانيوم المنضب، والذين في الطريق لموت بطيء بسبب الحصار والجوع وانعدام الدواء وقمع نظام صدام»! كانت هذه المآسي تحدث في مدن العراق الفقيرة، في الاحياء المكتظة بالمحرومين والمحاصرين، أما أحياء النخبة، ومدن الأغنياء، وزمرة النظام، وأبناء المسئولين فكانوا «لا محاصرين ولا جوعى ولا محرومين ولا هم يحزنون»، لقد صارت علبة (الكولا) حلماً للطفل العراقي، أما أكل البرتقال والبيض فكان جريمة ترتكب أثناء الغفوة أو سبات الليل الطويل، هؤلاء الأطفال الذين كبروا على الحرمان والقمع وما بين ورش الميكانيكا وأكوام القمامات، هم الذين يحرقون مدن الأغنياء والبعثيين، يحرقون كل أثر لهم، لينسوا شقاءهم وعذابات عمرهم الفتي الذي ضاع بين شعارات زائفة، وحروب باطلة، وعناد سقيم، وعمى سياسي أصاب قيادة أودت بشعبها الى هاوية لا يعرف قرارها اليوم إلا اللّه! أميركا سيف الجلاد، أو هي الآن السيف والجلاد، هي القوة الغازية المحتلة التي نسجت حكاية دخولها للعراق بألف خيط وخيط، ودخلت بألف حجة وحجة، وها هي اليوم تصنع الصنم الآتي بحراسة البنادق والدبابات وبحماية النهب والسلب والتخريب، بسياسة الأرض المحروقة والبلد الذي بلا ذاكرة ولا حضارة كي يتمكن الصنم الآتي وأصنامه المساعدون من بناء الانموذج المثالي لانتاج مأساة جديدة، ليس في العراق فقط، وإنما في الشرق العربي كله، وسنعيش إذا شاء اللّه لنا ذلك نحن الجيل الموعود بكل التعاسات العربية، وستأتي أجيال بعدنا ربما لتشهد تمثيلية اسقاط أصنام أخرى صنعتها أميركا، وجعلتها تتورم من أكل لحوم شعبها وأحلام أطفالهم وأمنيات شبابهم. وها هو العراقي الصابر في منافيه بعد 25 عاماً يصرخ للعراق، الوطن المستباح أميركياً، والمحروق بأيدي أبنائه الذين يعرف لماذا يفعلون ذلك، أما نحن أبناء مدن الرفاهية وسكان الوطن العربي المبتلين بالأفكار الفلكلورية المثالية، فلا نعرف، ولذلك نطالب هؤلاء الأطفال بالتسامي والتعالي وعدم المساس بالوطن! دون أن نعرف بأن هؤلاء لم يسعفهم صدام حسين وزبانيته ليتهجّوا الحرف الأول من أبجدية الوطن!! يبقى العراق عشق العروبة وعطر وسائد العاشق العربي لأمجاد التاريخ والبطولات والحضارة.. وهو للعراقي القابع في تيه الهروب هتافاً يومياً يردد في أمسيات الشجن والأسى «ليس بعد الله سوى العراق»! Aishasultan@hotmail.com