الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 سلام عليك يا بغداد حين تمثلين رمز شموخ، وحين تفجرين في النفس وجع انكسار، ولا سلام على كل الذين خانوا وإن ألبسوا خيانتهم قناع وطنية زائفة. سقوط بغداد ولّد في النفس مشاعر متناقضة، لا يعرف المرء من يصدّق، وعيه الثقافي الذي يرى عاصمة عربية تحتل وتدوسها أقدام الاحتلال.. يسلبون وينهبون، ولاخفاء جرائمهم يصيحون في الرعاع الذين خرجوا للنهب (Go Ali Baba) أم يصدق وعي الصورة الحاضر الذي يحاول اقناعنا بأن الناس خرجوا فرحين، يسقطون تماثيل صدام في الميادين، ويحسون انهم قد تخلصوا من قهر دام أكثر من خمسة وثلاثين عاماً. الصورة التلفزيونية ليست صادقة في كل الأحوال، وعلينا أن نتخلّص من سطوتها على النفس.. فهي مخادعة، وإلا أين ذهب الحرس الجمهوري، وجيش القدس، وفدائيو صدام؟ أين ذهب القادة العراقيون وحزب البعث وأجهزة الأمن والمواطنون الذين وزعت عليهم الأسلحة؟ لماذا اختفى الجميع أو تبددوا وسقطت بغداد حيث استعصت أم قصر! لا يعرف الإنسان المشاعر الحقيقية للعراقيين، وما إذا كانت العدسات تنقل لنا متن الصورة أم هامشها؟ غير ان حقيقة واحدة تتجلى لنا وهي ان أوجاع العراقيين الحقيقية لم يهتم بها أحد، وان أي احتلال غير معني بأوجاع البشر الذين يقعون تحت سطوته. أميركا ليست معنية بطموح العراقيين في الحرية، وإن ادّعت ذلك، فحينما يتاح لهم أن يقولوا رأيهم سيقولون لا للاحتلال الأميركي.. بعدها تأتي لاءات أخرى ضد الاستبداد والقمع البوليسي وأقبية أجهزة الاستخبارات.. ولا لأي حاكم نصف إله يأتي، يعصف بمنتقديه ويرميهم في غياهب السجون، يصادر الحاضر والمستقبل من أجل أن يبقى هو سيداً متوجاً ولو على مملكة من ممالك الخراب. سقطت بغداد ولم تستوعب الحكومات العربية درس هذا السقوط، لم تدافع المدينة عن القادة لأنهم ليسوا من اختيارها. لم تنتخبهم انتخاباً حراً مباشراً، لذلك لم يربط الشعب العراقي مصيره بمصير قادته. أتذكر الآن ان الرئيس صدام فاز بنسبة 100% في آخر استفتاء أجراه على تمديد رئاسته.. وحينما جاء المحتل كانت نتيجة الاستفتاء الحقيقية صفراً في المئة.. تمنيت للحظة لو كان الرئيس العراقي قد فاز بنسبة 51% فقط في انتخابات حرة ونزيهة، انتخابات حقيقية يعبّر فيها كل شخص له حق الانتخاب عن رأيه دون خوف أو وجل.. انتخابات يشارك فيها الجميع داخل البلد وخارجه، فالبلدان الحرة بحق لا تعرف شيئاً اسمه معارضة خارج البلد، الجميع في أحضانها من يعارض كمن يؤيد، الجميع سواسية، والقانون وحده هو الذي يحدد ما إذا كان هناك مجرمون في السلطة أو في المعارضة. العراق لم يكن دولة ضعيفة حتى يسقط بهذه السهولة.. النظام هو الذي جعله هشاً الى هذه الدرجة، ولو ان دولة تمتلك عشر ما يمتلكه العراق وتتمتع بحرية وديمقراطية ومساواة وحكم قانون لتحولت إلى بلد قوي الشكيمة في مواجهة أي اعتداء خارجي. معظم الأنظمة العربية في حاجة ملحة.. الآن وأكثر من أي وقت مضى الى تجديد شرعيتها وصياغة عقد اجتماعي جديد بينها وبين شعوبها واجراء انتخابات حرة نزيهة تجعل المجتمعات تفرز أقوى من فيها حتى يتصدروا الصفوف، وإلا فإن البديل شروط خارجية تفرض واملاءات لا تنتهي.. تخرج الحاكم عن كونه سيداً بين أهله إلى كونه مجرد تابع لقوى خارجية يأتمر بأمرها.. إذا دقت الطبول في واشنطن رقص هو في بلاده. الديمقراطية هي حجر سنمار المفقود، إذا سحبته من بناء انهار كله، لذلك لم يكن غريباً أن يأتي يوم ينهار فيه الاتحاد السوفييتي القوة العظمى الثانية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وأن تنهض من جديد ألمانيا واليابان رغم التدمير اللاإنساني الذي تعرضتا له في تلك الحرب. أوطاننا العربية بحاجة ماسة الى الديمقراطية. اليوم وليس غداً هي الروح التي يجب نفخها بأسرع ما يمكن في الجسد العربي الذي أوشك أن يتحلل. وعلى القادة والزعماء أن يتعاملوا بحكمة مع الواقع، هل من الأفضل لهم أن يصبحوا مواطنين كراماً في دول حرة تستعصي على أي احتلال، أم أن يصبحوا سادة على أوطان من ورق. ليس بوسع أي قائد عربي أن يراهن الآن على المجتمع الدولي ولا الشرعية ولا الأمم المتحدة.. هذه أشياء تجاوزها الزمن بفعل «واحدية» أميركا وغطرستها وجبروتها، والرهان الوحيد أصبح على الشعوب، والشعوب المقهورة لا تستطيع أن تقاوم. ولكي يراهن الزعيم على شعبه، لا بد وأن يكون قد منحه الحرية. والحرية تعني انتخابات حرة نزيهة، وتعدد سلطات مع الفصل بينها (تشريعية ـ تنفيذية ـ قضائية) واجراء اصلاحات قانونية ودستورية تتيح تداول السلطة، وخلق مناخ من التعددية يسمح للناس بتكوين أحزاب واصدار صحف واعادة الاحترام للقانون، حيث يصبح هو الحاكم الوحيد بأمره في بلادنا، واشاعة المساواة بين الناس حكاماً ومحكومين، والغاء كل الامتيازات الممنوحة لطبقات بعينها. التنازل عن الحكم الشمولي المطلق أمر صعب وليس هيناً على نفس الحاكم، ولكن أليس ذلك أهون كثيراً من الاحتلال الأجنبي؟! في تحليلات المحللين وكتابات الكتّاب الذين انتشوا بالاحتلال الأميركي للعراق هناك تضليل واسع النطاق، وربط متعسف بين أمور لا رابط بينها. ربط غياب الحرية بأفكار الوحدة العربية وأفكار مقاومة اسرائيل جريمة ينبغي أن يتنبه كل منّا لمن يرتكبها. فكرة الوحدة العربية لا علاقة لها بسلب الحرية الذي عشناه، بل العكس هو الصحيح، فانعدام الحرية هو الذي حال بيننا وبين أن نتقدم خطوة واحدة على طريق الوحدة. كما ان غياب الحرية هو الذي جعلنا لقمة سائغة لاسرائيل، فالشعوب التي تملك مقدراتها بيدها هي التي تستطيع أن تقاوم وتتحدى وتقاتل، وغياب الحرية هو الذي أتاح لاسرائيل ان تعربد كما شاءت دون رادع. والمثل الواضح على ذلك جنوب لبنان وما أبداه من مقاومة بطولية. أغلب هؤلاء الكتّاب هم أعضاء في جوقة مرتبطة بتوماس فريدمان كاتب «نيويورك تايمز»، يستخدمون ألفاظه ويكررون عباراته وأفكاره نفسها. في نظر فريدمان فإن جدراناً ثلاثة كان يجب هدمها حتى يحدث «انفجار الحرية» الذي يبشرنا به، الأول ما يسميه بجدار الصدامية، وقد انهار بسهولة كشفت هشاشته. والثاني جدار العقل العربي الذي عانى من كرب على حد قوله لأن الشعب العراقي فضل الحرية على يد أميركا.. على مواصلة التحدي تحت حكم صدام، وهذا العقل العربي يتم تسويقه من قبل تلفزيون الجزيرة والمثقفين العرب والجامعة العربية. أما الثالث في رأي فريدمان، فهو جدار مبني من الأسمنت والخوف والأسلاك الشائكة بين فلسطين والاسرائيليين. علينا إذن لكي نرضي ذلك الكاتب الأميركي وأتباعه أن نلقي بأحجارنا على الجامعة العربية حتى نهدمها، وأن نرجم كل مثقف عربي (لمجرد انه مثقف فهو بالطبع انساني وضد الابتذال الذي تمارسه أميركا) وأن نسلِّم فلسطين كاملة، نرجم بأحجارنا كل من يقاومون فيها احتلالاً اسرائيلياً ونشد على يد كل من يطالبون أهلها بالعيش كعبيد لسادة محتلين هم الصهاينة. الحرية هي فرصتنا الوحيدة لكي نقاوم كل هذا الظلام الأميركي والصهيوني وبها وحدها ـ إذا نلناها ـ نثبت أننا شعب لم يدفن بحقد جثة بطولاته التاريخية التي تغنى بها حتى اليوم.. الخيل والليل والبيداء كانت تعرفنا، فلما سلبت منا الحرية أنكرتنا.. وهي على حق! magdishendi@hotmail.com