الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 حين سئل أحد الضباط الأميركيين المنتشرين بجنودهم في شوارع بغداد عن سبب عدم تدخله لمنع أعمال «السلب والنهب» والانفلات الأمني من حوله؟، أجاب بلا تردد «ليس هذا من إختصاصي وجنودي. مهمتنا ملاحقة عناصر نظام صدام ومن يستهدفنا بالسلاح».. حدثت هذه الواقعة في اليوم الأول من سقوط العاصمة العراقية، ولذا كان يمكن تبريرها بانشغال القوات الغازية أمنيا وعدم تلقيهم أوامر قيادية جديدة.. لكن المشهد ذاته استمر وعلى نطاق أوسع في الأيام التالية.. فلا التسيب الأمني توقف ولا تخلت تلك القوات عن لا مبالاتها لا في بغداد ولا في المدن الأخرى. بذلك، أظهرت الغزوة الأميركية البريطانية للعراق خضوعها للسنن الاستعمارية بأسرع مما تصورنا، فمن دأب المستعمرين انهم لا يعبأون بالشعوب المستعمرة الا بالقدر الذي يضمن مصالحهم، وانهم يعلنون غير ما يضمرون. وهكذا حظيت بعض المرافق العراقية، كوزارة النفط ودائرة الاستخبارات بالحماية العاجلة. الاولى بسبب اتصالها بدافع جوهري من دوافع الغزوة.والثانية لاستحواذها على كنز من المعلومات التي يؤمل من بعضها تسهيل شئون الاحتلال أو التعرف على قواعد ارتكاز النظام السابق لتقويضها. أما بقية المؤسسات فلا بأس من تعريضها للانتهاك، لتعظم حاجة الناس للغزاة في المستقبل. ولا يدعو للدهشة في ضوء هذه المقاربة أن تسهر قوات الغزو على أمن الاسرائيليين، هناك بعيدا في فلسطين المحتلة ، فيما لا تبدي عناية بطمأنة العراقيين تحت سيطرتها المباشرة، وهي التي صدعت رؤوسهم ورؤوس الناس أجمعين بوعودهم عن الحرية والرخاء القادمين في ركابها! وأية ذلك، المفارز العسكرية والاستخبارية الأميركية التي تجوب غرب العراق وتذرعه شبرا شبرا على مدار الساعة، بحثا عن أي خطر صاروخي قد يهدد سلامة الدولة اليهودية، لقد استمر هذا الاجراء الاحترازي السخيف رغم انتهاء المواجهات المسلحة. تقاليد استعمارية ستكشف الأيام بالطبع عن المزيد من عمليات الهدم والبناء في أرض الرافدين بما يخدم الهدفين العتيدين، النفط واسرائيل. لكن ما يعنينا الآن اثبات حماقة تعجل الغزاة باهدار خطابهم الدعائي المتهافت حول سلامة وحرية العراق والعراقيين، وما قيل عن التمييز بين الشعب والنظام والحرب النظيفة والاحتلال المؤقت النزيه. فلم يمض سوى وقت يحسب بالساعات حتى أدار سواد العراقيين جدلا حول مزاعم الغزاة وحقيقة أهدافهم. وقال بعض بملء الفم «نعم كنا تحت حكم ديكتاتوري، لكننا كنا آمنين أكثر»! ويفهم من هذه المقارنة ما فهم منذ حقب حول أن الاحتلال الاجنبي والقوى الاستعمارية لا يمكن أن تكون أغير على ارواح الشعوب وأدعى لطمأنتهم من النظم المحلية مهما كانت طبائعها، وليس أكثر غباء وجهلا بتقاليد الاستعمار ممن يحسبون أن غزاة العراق عرضوا أرواح أبنائهم وبذلوا أموالهم وأرضهم من أجل خلاص الشعب العراقي. أيضا ينتمي للتقاليد الاستعمارية أن يبحث المستعمرون عن نخبة محلية يرتكزون اليها في ادارة الأرض المحتلة، وكلما نجحوا في اصطفاء من يحركونهم من وراء حجاب وفقا لأهوائهم، أراحوا أنفسهم من أعباء التصادم مع أهل البلاد المحتلة، واطمأنوا الى اتيان العمليات القذرة عن طريق من هم أدرى بشعاب البيت. كما ينتمي لهذه التقاليد بلا ريب التعرف على مداخل الفتن والإحن وسبل اثارتها في تلك الشعاب. ولعله من التزيد في القول أن نستطرد الى ما يجري راهنا في الداخل العراقي وكيف أن تحالف الغزاة لا يكاد يغادر صغيرة ولا كبيرة من هذه التقاليد الا أتاها أو سيأتيها وفي تقديرنا أن الشريك البريطاني سيكون نعم المستشار في هذا الاطار، نظرا لخبرته الوطيدة في التعامل مع البلاد المستعمرة بعامة ومعرفته السابقة بأحوال البلاد والعباد في العراق بخاصة ولن يكون جديدا ولا مستحدثا أن يشرع الغزاة في العبث بأحشاء العقل العراقي والضرب بمعاولهم الفكرية والثقافية والدعائية في تضاعيفة. وذلك بغية ثنية عن ثوابته ازاء العرب والعروبة والموقع القومي والدور الحضاري.. الخ. وكان في طليعة ما أفصحت عنه أوساطهم بهذا الصدد أنهم سيعمدون الى تغيير المساقات التعليمية والمناهج الدراسية بذريعة أنها تنشئ العراقيين على «التطرف». ومن جانبنا، لا نستعبد اطلاقا أن يسعى الطرف الأميركي بالذات الى وضع هذا الهدف على رأس أجندته الاستعمارية هناك، محاولا الاستهداء بتجربته في ألمانيا واليابان غداة الحرب العالمية الثانية، وان مع بعض التعديلات المناسبة لمقتضى الحال.. نطرح ذلك جدلا ونحن ندرك حجم التباين بين الحالة العراقية الحضارية الثقافية وبين التجربة المذكورة.. يبدو أن ما ندركه نحن شئ وما يعتمل في برامج الغزاة وظنونهم شئ آخر. فمن خطابهم بهذا الخصوص لا نعثر على ما يؤكد وعيهم بالفرق بين هذه الحالات ولا باحتمال الاستفادة من الخبرة الاسرائيلية الفاشلة. الشاهد في كل حال أن الغزو الأميركي البريطاني للعراق، نموذج يحمل كل ملامح السوابق الاستعمارية على مستوى الخطاب والسلوك. انه بصيغه أخرى لا يمثل ظاهرة استئنائية كما ذهبت الحملة الاعلامية السياسية التي مهدت له ثم صاحبته. الاستعمار أمر مناقض للحرية وليس ظهيرا لها. وعليه فإن مقاربة هذا الغزو لا ينبغي لها أن تخرج بنا عما ألفناه وتعارفنا عليه من محاولات في حقل الظاهرة الاستعمارية.ومن ذلك معادلة الاستعمار للتحرير. فكل غزوة استعمارية مهما بلغت قوتها وطغيانها جوبهت برد فعل تحرري، بحركة تحررية، قد يطول الزمن باستقرار الغزاة، ولسبب أو أخر قد يتأخر رد الفعل، غير أن المعادلة تفرض ذاتها في التحليل الأخير. ولأن الشعب العراقي يجمع في خصاله بين الاباء والذكاء، فلن يطول به الوقت حتى يفطن الى خطاب الغزوة الراهنة الزائف. هذا ان لم يكن قد فطن الى ذلك سريعا كما ألمحنا. وليس بعد ذلك الا أن يستجمع قواه، المنهكة الآن بالفعل، وعندئذ سيكون له معها شأن آخر من المقاومة. هذا أحد أهم جوانب «المابعد» التي لم يفها الغزاة حقها من الاهتمام. ـ كاتب وأكاديمي فلسطيني ـ القاهرة