الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 قد تكون الإدارة الأميركية فوجئت ـ كما هو حال اطراف عديدة غيرها ـ بالانهيار المبكر، بل المفاجيء، للنظام العراقي، ولذا فإن حالة الارتباك التي ميزت سلوكها تحت تأثير حدة المقاومة العراقية لقواتها الغازية في الأيام الأولى من الحرب، تتكرر ثانية الآن في مواجهة النتائج المباشرة للغزو، خصوصا فيما يتعلق بالانفلات الامني الذي تشهده بغداد والمدن العراقية الأخرى، وبانعدام الخدمات الناشيء عن تدمير المؤسسات العامة. ومع ان ذلك يعكس، في حده الادنى، سوء تقدير هائلاً بالنسبة لكيفية ممارسة المسئوليات، حتى في وضع احتلال عسكري اجنبي لبلد آخر، إلا أن المشاهد المرعبة التي تنقلها كاميرات تصوير المراسلين الصحفيين عن عمليات النهب والسلب والتخريب المنتشرة على نطاق واسع، تضيف الى هذا التصور احتمالات عديدة أكثر خطورة. ـ أول هذه الاحتمالات، ان قوات الغزو تتعمد، في إحداث هذا القدر الهائل من التدمير العراقي الذاتي، إثارة الاحقاد والضغائن داخل المجتمع العراقي لكي تبرر وجودها وتدخلاتها اللاحقة بين الاطراف المتنازعة، كمنقذ ومخلص لا غنى عنه. وكلما تعمق الشعور بالقلق والمرارة لدى الاطراف المتضررة والمعترضة، كلما توفرت الظروف والمناخات السياسية والاجتماعية التي تبرر التدخل وتساعد عليه. ـ ثاني هذه الاحتمالات، ان قيادة الاحتلال تسعى إلى ممارسة مزيد من الضغط على الرأي العام العراقي من جهة، وعلى القوى السياسية التي ترشح نفسها للقيام بدور تمثيلي في المرحلة المقبلة، لحمل الجميع على القبول بأي صيغة تمثيلية (ادارة مؤقتة)، سواء تمثلت هذه الادارة بجماعة عراقية معينة، اوحتى بحكم عسكري تابع للدولة الغازية. وغني عن القول بان إنهاك الشعب العراقي وتعميق معاناته، فوق كل ما عناه في السابق خلال الحصار الدولي وما قبله، يساهم في احداث الاثر المطلوب، وبالتالي الحصول على التنازلات المنتظرة. ـ ثالث هذه الاحتمالات، ان سلطة الاحتلال لا تملك حتى الآن تصوراً واقعيا كاملاً لما ينبغي فعله حيال الوضع العراقي الداخلي بتطوراته وتفاعلاته الراهنة، وهي في الوقت ذاته لا تبدي اي اكتراث لما يمكن ان ينجم عن الفوضى السائدة، وعن غياب كل مظهر من مظاهر النظام العام. ففضلا عن ان قوات الاحتلال اتتمتع بأي شرعية دولية، فهي لا تستطيع ان تقدم نفسها للعراقيين باعتبارها سلطتهم الرسمية البديلة. وبما انه يتعذر ايجاد سلطة عراقية جديدة، مقبولة وذات صفة تمثيلية جامعة، وفي وقت قريب، سيكون على العراقيين تحمل النتائج المترتبة على استمرار الفراغ الأمني والخدمات وانتشار الفوضى. الوجه الآخر للفوضى ان الانفلات الأمني وتعطل مختلف المرافق العامة التي توفر الخدمات للشعب العراقي، وإن يكن اثار مخاوف عميقة لدى العراقيين فضلا عما يسببه من اضرار مادية مباشرة تصيب الجميع بدون استثناء، إلا أنه اثار في الوقت ذاته نقمة عارمة على قوات الاحتلال التي تتصرف حيال ما يحدث وكأنها تستمتع به تماما. وفي حين حاولت قيادة الغزو الأميركي تبرير ما حدث ويحدث بانه «ممارسة للحرية المستعادة» بعد كبت طويل مارسه النظام العراقي ضد مواطنيه، لكن الآثار المدمرة الناشئة عن اعمال التخريب، لاسيما تلك التي طالت مؤسسات عراقية رئيسية كالبنك المركزي والمتحف الوطني ودوائر السجل العقاري ومعظم الوزارات، اسقطت عن قوات الغزو صفة «التحرير» التي رفعت شعارها. وثمة توقعات متزايدة بان ينشأ عن كل ذلك مناخ من الرفض، لا لما يحدث فقط، بل لوجود الاحتلال الأميركي كله، وهو ما يهيء لمرحلة اخرى مختلفة لا يستبعد المراقبون ان تبرز تجلياتها بسرعة. وهناك مؤشرات اخرى مهمة تزيد من تفاقم الوضع، ابرزها يتصل بواقع المعارضة العراقية السابقة والتناقضات الحادة التي تباعد بين اطرافها. واذا كانت الادارة الأميركية استطاعت خوض الحرب ضد العراق من دون اشراك المعارضة «في الخارج والداخل» لكنها لا تستطيع تشكيل حكومة وطنية موحدة من دون التعاون مع اطراف المعارضة كافة، وليس بالاعتماد على طرف واحد «موثوق» او على اطراف صغيرة لا تتمتع بنفوذ كبير في الداخل. وتتجسد هذه العقدة على وجه خاص في الدور الذي يلعبه «المؤتمر الوطني» بقيادة احمد الجلبي من جهة و«المجلس الاعلى للثورة الاسلامية» بقيادة محمد باقر الحكيم من جهة اخرى، فهما الطرفان الرئيسيان في الجبهة، وان كان الاول يتمتع بتزكية كاملة من أصحاب النفوذ في وزارة الدفاع الاميركية. ولذا فإن المشكلة الرئيسية تتمثل في ان «المؤتمر الوطني» يدعو بصراحة الى العمل تحت اشراف قوات الاحتلال الاميركية وبالتعاون الكامل معها، وهو بالفعل وضع نفسه تحت تصرفها منذ ادخاله العراق مع مئات عدة من انصاره، بينما يرفض الثاني اي سلطة ذات هوية مزدوجة: اميركية ـ عراقية، بل انه يمانع بشدة في كل اشراف اميركي مباشر، ويطالب بادارة وطنية عراقية تتحمل كامل مسئولياتها وتمثل مختلف اطياف الشعب العراقي. يتفق المحللون على ان اغتيال عبدالمجيد الخوئي، المدعوم من قوات الاحتلال في النجف الاشرف، اضاف عقدة جديدة الى مجموعة العقد القائمة. ففضلا عن ان هذا الحادث عزز المخاوف من حدوث ردود فعل غير محسوبة، فهو كشف ايضا عن ان المراهنة على العوامل النظرية التي بنى الاحتلال الاميركي حساباته على اساسها قد لا تصمد امام تحديات الامر الواقع وافرازاته، وبالتالي تصبح الحلول التي يرسمها الاحتلال، نظرياً، مجرد اوهام. واذا كانت هذه التعقيدات الماثلة تمنع قيام سلطة وطنية عراقية شرعية ومقبولة، فمن الاحرى توقع ان يكون هذا هو الحال ايضاً، ازاء الحل الاميركي الجاهز بتعيين حاكم عسكري أميركي لإدارة شئون العراق. وسيستمر الأمر كذلك إلى أن يصبح من الممكن تشكيل حكومة وطنية عراقية. وفي هذه الحالة فإن اي تأخر في استعادة الشرعية الوطنية للسلطة الحاكمة، مهما كان السبب، سيؤدي الى اضافة تعقيدات جديدة الى الوضع المعقد اصلاً، وسيجعل مهمة الاحتلال اكثر صعوبة. دول الجوار والارهاب هذا على الصعيد الداخلي، اما على صعيد التأثيرات المرتبطة بدولة الجوار، لاسيما سورية وايران، فإن ما يحدث حالياً ينبيء بتطورات لاحقة اكثر خطورة. فاميركا تريد الآن اعتبار نتائج الحرب على العراق جزءاً من حملتها العسكرية والسياسية ضد ما تسميه «الارهاب» ولذلك فهي تدعو الدول المجاورة للعراق للتعاون معها في الموضوع العراقي، كما تعاونت معها امنياً في اعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001. ومن الملاحظ ان الحملة الاميركية الرسمية على دمشق بلغت ذروتها بانضمام الرئيس الاميركي جورج بوش الى المجموعة اليمينية المتطرفة في ادارته بتوجيه الاتهامات الى سورية بامتلاك اسلحة الدمار الشامل وبتقديم الدعم المباشر للنظام العراقي «السابق» وحماية «فلوله». ويرى المراقبون ان هناك عدة اهداف وراء الحملة الاميركية المتعاظمة: ـ الهدف الاول: منع دمشق من اظهار اي عداء للاحتلال الاميركي للعراق، ثم مطالبتها بالتعاون معه في مرحلة لاحقة، بما يؤدي الى اراحته وتمكينه من بسط سلطته ونفوذه. ـ الهدف الثاني: حمل السلطات السورية على عدم تقديم اية تسهيلات يستفيد منها مسئولو ورموز النظام العراقي السابق، وخاصة فيما يتعلق باحتمال حربهم او لجوئهم الى سورية عبر الحدود المشتركة التي تمتد نحو 600 كيلومتر. ـ الهدف الثالث: لقد اثبتت سوريا انها تستطيع ان تمارس تأثيراً كبيراً داخل العراق، عبر سماحها أو «غض نظرها» عن تسرب عناصر معارضة الى العراق، او العكس. وتخشى الادارة الاميركية من ان تتشكل لاحقاً مقاومة وطنية عراقية ضد قواتها الغازية، وعندها ستكون دمشق قادرة على ان تمد هذه المقاومة بشريان من الدعم العربي والاسلامي لا ينقطع. وفي هذه الحالة ستواجه قوات الغزو الاميركية ما واجهته قوات الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان. ان مثل هذا الاحتمال يصبح طبيعياً ومبرراً الى حد كبير اذا حاولت الادارة الأميركية، بالتعاون مع اسرائيل، ممارسة ضغط قوي على الموقف السوري فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني، وبوجود مكاتب منظمات المقاومة الفلسطينية في دمشق وهذا الضغط، الذي بدأت بوادره قبل فترة غير قصيرة، من المنتظر ان يتصاعد عندما يتم طرح «خريطة الطريق» المتصلة بتسوية القضية الفلسطينية، لا سيما وان معظم المراقبين ينظرون الى الطروحات الاميركية على انها مجرد محاولة لاثارة غبار تحجب من خلاله سلوكها الاستعماري في العراق، و للتقرب من بعض الدول العربية التي هالها ما حدث ويحدث في العراق وفي فلسطين، ضمن تنسيق اميركي ـ اسرائيلي محكم. الهدف الرابع: لقد تبين حتى الآن انه لا اثر لوجود اسلحة دمار شامل في العراق، وهذه النتيجة تسقط نهائياً الذريعة الكبرى التي اتخذتها الادارة الاميركية شعاراً لحربها على العراق. ومن الملفت للانتباه الملاحظات التي ابداها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اثناء قمة سان بطرسبورغ الاخيرة، حيث سخر من استمرار الحديث عن اسلحة الدمار الشامل، مبدياً استغرابه «لانهم لم يجدوا شيئاً حتى الآن» واستدرك بوتين قائلاً: «ان اي اعلان عن اكتشاف اسلحة محظورة من دون حضور المفتشين الدوليين ومشاركتهم سيعتبر امراً يفتقد الشرعية» وكأنه بذلك يبدي خشيته من حدوث تلاعب في هذا المجال، في محاولة «متأخرة» لتبرير غزو العراق. توقعات صائبة ان اعلان واشنطن الآن بأن سوريا تملك اسلحة دمار شامل (بحسب اتهامات بوش)، انما هدفه الايحاء بأن الاسلحة الكيماوية التي كانت في العراق نقلت او هربت الى سوريا وهي بذلك تضرب اكثر من عصفور بحجر واحد: فهي تحاول استعادة مصداقيتها بالقول ان العراق كان يمتلك فعلاً اسلحة كيماوية، وبما انه جرى تهريب هذه الاسلحة الى سوريا يصبح من الضروري شن حرب مماثلة على سوريا للاستيلاء على هذه الأسلحة قبل استخدامها ضد اسرائيل وهو السيناريو ذاته الذي استخدم لغزو العراق. وفي المقابل، يمكن ايقاف هذه الحملة اذا أظهرت دمشق تعاوناً كاملاً مع الاحتلال الاميركي، واذا ما تجنبت القيادة السورية التشويش على الخطط الاميركية الخاصة بالاستقرار طويلاً في العراق، ثم بالموضوع الفلسطيني من خلال سراب «خريطة الطريق». وفي افضل الاحتمالات، فإن الادارة الاميركية تريد تحويل الانظار عن احتلالها للعراق وما يسببه من مشاكل داخلية، نحو مشكلة وهمية جديدة اسمها «اسلحة الدمار الشامل السورية»، سواء ادى ذلك الى تدخل عسكري اميركي، او اسرائيلي مباشر، او ظل ضمن حدود التهويل فقط. وعلى ذلك، فإن الذين توقعوا ان تؤدي الحرب الاميركية على العراق الى تفجير العنف في المنطقة كلها، هؤلاء كانوا على صواب. ويتضح من مسار الاحداث ان اسقاط النظام العراقي ليس نهاية المطاف فالعراق الذي ظنته الادارة الاميركية، بحسب نصائح مستشاريها «الليكوديين»،غنيمة حرب يسهل ابتلاعها وهضمها، ليس كذلك كما يبدو، وهو لم يكن كذلك في اي وقت من الاوقات. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا