الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 كان الحديث عن العراق والاحداث التي تجري على ارضه التي تحولت الى ما يشبه القمامة الكبيرة من جراء الجثث المتعفنة المتناثرة والعربات العسكرية المدمرة هنا وهناك وعربات الغزاة التي تمشط المدن والقرى والطرق والازقة وفلول الجنود ورجال الصحافة وجيوب المقاومة وحطام المباني المتناثر في الشوارع وبقايا ما اخذ من مستودعات الحكومة وما ترك، حديثا مرا يختم ليلة طويلة من الجدل حول اسباب السقوط المفاجيء لنظام صدام، وكم ستطول فترة بقاء الاميركان فيه، وهل سيعيد العراقيون عراقهم الى عافيته في فترة وجيزة، ان الفوضى والصراع على الكرسي سيدخلهم الى متاهات مظلمة. في اخر الليل حوار مر بين اصدقاء التقوا ليرفهوا عن انفسهم في محاولة للهروب من حرب تابعوا آلامها لحظة بلحظة، لكن المر لا يجلب الا المر، والحرب لا تخلف ابتسامات وافراحاً بقدر ما تخلف الاحزان والاسى والشتات. قال صديق لنا يتحدث لثاني مرة في حياته عن حرب عاصرها وذاق مرها، حيث تمثلت تجربته الاولى في حرب الخليج الثانية ابان غزو الكويت. يقول صاحبنا «ثاني مرة حرب» : مؤلم ان ترى الاجانب غزاة في بلد عربي زرع في صميمك القومي، ومؤلم ايضا ان يستمر اهله تحت حكم طاغية يزرع الرعب في صدورهم منذ اول يوم في ولادتهم، ومؤلم ان لا احد منا اصلح امر العراقيين ونتركهم اليوم تحت هذا المصير المرير.انا اتعب هذه الايام من مشاهدة ومتابعة الاخبار عنهم، لهذا هربت اليوم من امام التلفزيون وجئت الى هنا، لكني احب العراقيين وها انا اتورط في الحديث عن همهم الكبير. صاحبه المجاور له نصفه بالمحنك والمراوغ دائما اجابه هكذا: كان لابد ان يتحرر العراقيون من حكم مستبد لكن ليس على يد الاجانب، هذا حدث الان، فكن واقعيا، الاميركان ناس اصحاب منفعة ومنفعتهم سيأخذونها منك «طيب غصب» الغصب بدأ والطيب في الطريق .. هل فهمتني؟ اجابه صاحب الحربين، قليل الخبرة: اعرف ان عيون الاميركان على أنابيب النفط وآبارها، واعرف ان عيونهم على امن دولة صهيون، وان انابيب الذهب الاسود سوف تضخ دم الشعب العراقي ورزقه الى ميناء حيفا، واعرف ان الطيب الذي تتحدث عنه والذي سيأتي الى العراقيين ما هو الا فتات من دولارات ستذهب الى الجيوب السرية، وسيبقى المحروم محروما دائما، والمتجبر السارق متجبراً سارقاً دوما. قال الاخر: هذا ما سيحدث فعلا. قال الاول: نظام صدامي جديد بملابس الكاو بوي وهامبرغر واغنية على ايقاعات الراب والليمبادا تمسح تاريخ السياب وابو السياب من الادمغة. قال الاخر: يعني الامر كله «باجه» عراقية بالمايونيز والماسترد و«هجع» استربتيز و«جوبي» ببنطولات الجينز المرقعة!! صرخ الاول: نعم .. نعم مرح فرح رقص مسخ .. مسخ عمي مسخ. تعبنا من الجدل حول سرقة واضحة ومكشوفة وعن نظام استبدادي صار مسمار جحا .. تعبنا من فك العقدة لانها مفكوكة في الاصل. كان لابد ان نذهب لأن الليل بدأ يسلخنا ولأن حصاد اليوم من الاخبار ينهي ظلامه، وان ساعات الفجر عبر قناة فوكس الاميركية، ستنقل البطولات من ارض الهزائم.