الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 صوت أمومي، فيه حيرة ولوعة وكل ما يمت الى فقد الأحبة واختفاء أخبارهم. سيظل هذا الصوت علامة على حقبة، دالاً على معنى فترة عصيبة قدر لي ان أعيشها، وما أكثر اللحظات العصيبة الفاصلة التي قدر لي ان يشهدها جيلي التعس. أم عراقية، تتصل بهاتف خصصته الاذاعة البريطانية للعراقيين الذين يودون الاستفسار عن ذويهم، طبعا العراقيون المقيمون في الخارج، لأن من هم بالداخل لا وسيلة اتصال لديهم بعد ان دمرت الشبكات والمراكز لكي تقوم الشركات الاميركية والانجليزية ببنائها مرة أخرى!. أيضا لا وسيلة اتصال بهم، اذن تلك رسائل الى المجهول، لعل وعسى يلتقطها أحد الاشخاص من الذين يمتلكون مذياعا يمكنهم من خلاله التقاط هذا البرنامج في مكان ما من العراق. كانت الساعة تقترب من الخامسة صباحا بتوقيت القاهرة عندما أصغيت الى الرسالة الصوتية للأم الملتاعة، حيرتها نفضت ما تبقى من آثار نوم عندي، أيقنت أنني لن أغفو مرة أخرى. منذ ان بدأت الأزمة عامة، ومنذ ان بدأت الحرب تحديدا، يمكنني القول أنني أمضيت معظم الوقت امام التلفزيون، بمجرد عودتي الى المنزل أجلس امام الشاشة، أقلب مفتاح التحكم، من «الجزيرة» الى «أبوظبي» الى المحطات الأجنبية، محاولا تقصي أخبار جديدة، مجتهدا في قراءة ما أراه من صور، مستخرجا المعاني والدلالات، خاصة الصور الواردة من مناطق القتال، مستندا الى ثقافتي العسكرية المحدودة باعتباري مراسلا حربيا قديما. قناة الجزيرة وقناة أبوظبي، مصدران أساسيان للأخبار رغم التضييق على وسائل الاعلام عموما، يمكن القول ان أداءهما المهني والتقني حقق تفوقا على المحطات الأجنبية، المتقدمة تقنيا ومهنيا، خاصة الـ «سي ان ان» التي انفردت تماما بتغطية حرب الخليج عام واحد وتسعين. في هذه الحرب كانت تستعين بلقطات من داخل العراق وتعدد مرات ظهور شعار المحطتين باللغة العربية. ليس على شاشة الـ «سي ان ان فقط»، انما على جميع محطات التلفزيون العالمية، وهذا عنصر ايجابي للاعلام العربي يبرز من خلال تلك الحرب المؤلمة، ذات النتائج المروعة ومن اللحظات المؤثرة التي لن أنساها، استشهاد الصحفي طارق أيوب قبل الانهيار المفاجئ المروع للنظام العراقي. وذلك التضامن الانساني والمهني الذي بدا واضحا بين موقعي محطة الجزيرة ومحطة أبوظبي في بغداد عندما حوصر مكتب الأخيرة. حتى ساعة متأخرة من الليل تتجاوز منتصفه بالساعة أو الساعتين أحدق الى الشاشة، لعل وعسى أعرف خبرا جديدا، كان تحديد حركة المراسلين الذين لم تنقصهم الشجاعة قط مؤثرا على محدودية الصورة، كان التحديد أولا من النظام العراقي، ثم من جنود المارينز، في المرحلة الأولى كان المشهد لا يتغير تقريبا في المحطتين، المراسل فوق سطح مبنى منخفض من طابق أو اثنين يصف ما يجري حوله من موقع لا يتيح له الا رؤية الأفق الذي كان يشتعل بالانفجارات، انفجارات مختلفة الأنواع، متنوعة اللهب، بعضها يشبه القنابل الذرية الصغيرة. كان الحصار المفروض على الصحفيين، خاصة العرب، الهدف منه منع تسرب صور المذابح الرهيبة والتي رأينا بعض آثارها في الطرقات بعد احتلال «المارينز» لعاصمة الخلافة العباسية، وبدء أعمال النهب الرهيبة التي بدأت فور انهيار الدولة واختفاء جميع أشكال السلطة. المرات القليلة التي تجولت فيها الكاميرات، رأينا الجثث المتناثرة في الطرقات. وحفر المقابر الجماعية التي تم دفن العسكريين بها. كانت الصور تركز على اصابات المدنيين، ولم يصل الصحفيون الى أماكن المذابح التي تعرض لها الجيش العراقي والحرس الجمهوري، فقط، رأينا بعض آثارها بعد انتهائها. عندما كنت أصغي الى البيانات العسكرية الأميركية تتحدث عن ابادة ثلثي فرقة «المدينة» أو «نبوخذ نصر» من فرق الحرس الجمهوري كنت أترجم الأرقام والنسب المحددة الى بشر في ريعان الشباب، الدبابة الواحدة عدد طاقهما أربعة أو خمسة، العربة المدرعة تحمل أكثر من عشرين، توازن القوى غير موجود على الاطلاق، عندما كنت أرى القاذفات العملاقة تقلع من قاعدتها من براد فورد بانجلترا، كنت اعرف ايضا انه لا يوجد لدى العراق أي سلاح يمكنه التصدي لها، اذ أنها تطير على ارتفاع يقارب المئة ألف قدم، وحتى أقرب الصورة ولنتخيل ضخامتها وقوتها فان أقوى الطائرات المعروفة في الطيران التجاري لا يتجاوز ارتفاعها سبعة وثلاثين ألف قدم. لم يكن ممكنا اسقاط هذا النوع من الطائرات الا في حرب فيتنام بمنظومة متكاملة من صواريخ أرض ـ جو التي لم يكن ممكنا توفيرها الا من خلال الاتحاد السوفييتي الذي اختفى. هذه الطائرات الفتاكة مشهورة بالقاء قنابل ثقيلة تصنع ما يسمى بسجادة النيران. أي انها تحدد مساحة من الأرض وتبيد كافة أشكال الحياة بها. ترى كم شابا عراقيا في مقتبل العمر احترق بنيران القاذفات الثقيلة، والصواريخ الحديثة والأسلحة التي تم تجربتها في العراق وسنعرف أنواعها بعد سنوات، كما عرفنا قذائف اليورانيوم المنضب التي استخدمت في حرب الخليج الثانية، لا يتحدث أحد عن هؤلاء الجنود والضباط الذين تم الزج بهم الى محرقة، الى حرب غير متكافئة بالمرة بسبب سياسات خاطئة في أحسن الظن ومريبة اذا ما أعملنا الفكر، أدت الى فقدان القوة العربية جيشا كان يعد من أفضل عناصر قوتها، وانهيار دولة عربية، وتحولها الى قوة مساندة لاسرائيل تحت قيادة جنرال أميركي. ربما كان الشاب الذي تسأل عنه هذه الأم، حزينة الصوت، أحد المدنيين الذين اصابتهم الصواريخ الذكية، وربما كان أحد أفراد الحرس الجمهوري أو احدى وحدات الجيش العراقي، التي أبيدت ولم نعرف شيئا عنها لأنه لم تكن هناك آلات تصوير أو أي صحفيين، لقد تم التعتيم على المذابح الحقيقية. طوال تلك الساعات التي أمضيتها متنقلا بين محطات التلفزيون كنت أحاول التقاط لمحة دالة أو خبر جديد، حتى اذا حان وقت النوم، أو ضرورة النوم إما لارهاق حل أو لضرورة استيقاظي في صباح اليوم التالي لذهابي الى عملي الصحفي. فانني أصحب مذياعا صغيرا. لا أصغي فيه الا لاذاعة وحيدة عربية وغير عربية، انها الاذاعة البريطانية التي تخلو من فجاجة المحطات الاميركية الناطقة بالعربية، ومن بلادة الاذاعات المحلية التي تصر نشرات اخبارها على ذكر أخبار الاجتماعات طبقا لبروتوكولات الدول، من قمة الهرم الى ادناه. ثم تجيء اخبار الحروب في النهاية، بالتجربة تعد الاذاعة البريطانية أفضل محطة عربية وأكثرها موضوعية مهما قيل عن الدس والهمس، أصغي الى نشرة الاخبار. اعتدت صوت المراسل البغدادي طيب الصوت صبحي حداد، والذي استنتج من نبراته تقدمه في العمر، وربما كان يمت الى شمال العراق، قدرته على الوصف تجعلني أرى أحيانا أكثر مما أراه عبر محطات التلفزيون، قبل اختفاء الدولة وهروب القادة كان حذرا جدا في اجاباته. فإذا سئل عن مكان سقوط صاروخ لا يحدد بالضبط، انما يعمم، ولكن بعد التاسع من ابريل بدا صوته أكثر تحددا أما وصفه فأسهب! أصغى الى النشرة وأنام، غير ان جهازي العصبي ارتبط بالاذاعة البريطانية رغم ما استعين به من مهدئات على النوم خلال السنوات الاخيرة، في الخامسة تماما أستيقظ، أصغى الى نشرة الاخبار الانجليزية على نفس الموجة التي تبث بالعربية، بعد نصف ساعة يعود النطق بالعربية، أحاول رصد أي فروق، ثم أنام بعد سماع النشرة ساعة أو أكثر، خلال أيام الحرب انسى احيانا اغلاق المذياع، أغفو واستيقظ على لحن موسيقى أو نبرة للمذيع غير معتادة. هذا الصباح الباكر لم أعرف النوم. رحت استعيد بذاكرتي صوت هذه الأم الملتاعة، لهجتها العراقية. ايش لون سامية، ايش لون جُهالكم حبيبي؟ (جهال يعني أطفال). الى ان قالت: «طمنوني عنكم.. حبيبي الله يخليك. طمنوني عنكم».. قمت جالسا في الفراش. لقد أصبح لدينا نكبة ثانية. (طمنونا عنكم).. عبارة كثيرا ما سمعتها تتردد في «اذاعة فلسطين» التي كانت تبث برامجها على موجة «صوت العرب» من القاهرة طوال الستينيات، كان ارسالها على فترتين، صباحي، ومسائي، وكان ثمة برنامج مخصص للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، يبثون من خلاله رسائل صوتية الى الاهل في فلسطين المحتلة. والغريب ان معظم الاخوة الفلسطينيين كانوا يختمون رسائلهم ونداءاتهم بتلك العبارة «طمنونا عليكم».. ربما يكون هذا البرنامج أول البرامج التي علمتني اللهجة الفلسطينية، وها هو الزمن يدور دورته، وأصغى الى بعض من أهلنا في العراق، يتحدثون بلهجة أعرفها جيدا. في الصباح الباكر انقبض قلبي، لم يؤلمني شيء في تلك الساعات كما آلمني صوت الأم الملتاعة، البعيد، القصي، كان صوتها الشجي أبلغ من أي تحليل سياسي سمعته أو عرفته أو قرأته، كان النداء الفلسطيني القديم يتداعى الى ذاكرتي من خلال النداء العراقي الحديث، ولا أعرف أي نداء سيتكرر في المستقبل، راجيا، محترقا بلوعة الفقد. «طمنونا عنكم»!!