الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 الاكراد يقتحمون كركوك والموصل تركيا تهدد بتدخل عسكري في شمال العراق القوات الاميركية تدخل المدينتين الاكراد ينسحبون وهكذا تتوالى فصول لعبة «العباءة والخنجر» في الشمال العراقي وكأنها عرض جانبي لما يجري في جنوب العراق ووسطه. لذا يتعين علينا توقع فصول اخرى. واخطر فصل هو احتمال وقوع فتنة عنصرية دموية بين الاكراد والعرب في مدينتي كركوك والموصل. وربما تلعب الولايات المتحدة دور المحرض والمشجع لمثل هذه الفتنة في لحظة مستقبلية ما. في قلب المشكلة مطلب كردي بالاستقلال. لكن بعد ان ظلت الاقلية الكردية في العراق اسيرة حلم بانشاء دولة كردية كاملة السيادة على رقعة جغرافية في الشمال العراقي، فإن الزعامات الكردية خفضت الآن سقف طموحها مكتفية بالمطالبة بحكم اقليمي ذاتي موسع في اطار كيان فيدرالي عراقي. فقد ثبت ان فكرة الدولة الكردية المستقلة مرفوضة جملة وتفصيلاً من جانب كل الدول الاربع المحيطة بالشمال العراقي ـ العراق وتركيا وايران وسوريا ـ والتي يوجد في كل منها اقلية كردية، فإذا قامت دولة كردية في العراق ضد رغبة الدولة العراقية، فإن الدول الثلاث الاخرى تخشى من انتقال «عدوى» الاستقلال الى اقلياتها الكردية الاخرى. واكثر هذه الدول تخوفاً هي تركيا لأن الاقلية الكردية هناك تمثل ثلثي «الامة» الكردية البالغ عددها نحو 25 مليوناً. حتى اندلاع الحرب الاميركية الراهنة على العراق الشهر الماضي ظلت الزعامات الكردية العراقية مقتنعة بأن دولة كردية مستقلة ـ حتى لو قامت بالفعل ـ لن تستطيع البقاء على قيد الحياة الا تحت حماية قوة خارجية كبرى قادرة على ردع الدول المجاورة المشار اليها. وبدخول الولايات المتحدة الاراضي العراقية كقوة غازية انتعشت طموحات الاكراد العراقيين، ورغم ان الزعامات الكردية لا تطمح الان الى اقامة دولة مستقلة الا انها ترى ان خلق كيان مستقل في اطار عراقي فيدرالي فضفاض ربما يكون ممكناً بعد ان دخل العراق كله تحت سيطرة استعمارية اميركية. لكن مع ذلك يبقى سؤال: كيف يمكن اقناع تركيا.. اشد الرافضين للنزعة الاستقلالية الكردية مهما يكون شكلها واكثرهم استعداداً لتدخل عسكري لقمع هذه النزعة اذا انتقلت الى دائرة التطبيق؟ منطق الحرب ومتطلباتها هو الذي يفرض نفسه الآن، فبعد ان رفضت الحكومة التركية طلباً للولايات المتحدة لنقل عشرات الالوف من القوات الاميركية عبر الاراضي التركية الى شمال العراق لفتح جبهة قتالية شمالية ضد نظام الرئيس صدام، اضطرت الولايات المتحدة الى عقد صفقة عسكرية ـ سياسية مع الاكراد العراقيين. بموجب الصفقة الأميركية الكردية تنضم الميليشيات الكردية المسلحة الى القوات الأميركية في شمال العراق للقتال ضد قوات النظام البعثي. لكن ماذا يربح اكراد العراق في المقابل؟ إن زعامة الأقلية الكردية تريد ان تستعد في وقت مبكر للمساومات السياسية المقبلة حول المستقبل الدستوري للعراق، مدفوعة بالطموح الى خلق كيان كردي خاص في اطار عراقي فيدرالي. ويتضمن مشروع هذا الكيان ضم مدينتي كركوك والموصل الى الرقعة الجغرافية الكردية المستقبلية. ما المشكلة إذن؟ المشكلة هي أن تركيا ترفض هذا الترتيب. ذلك ان كركوك والموصل ليستا مدينتين عاديتين. فهما الموطن الرئيسي للثروة النفطية العراقية، وبالتالي فإن ضمهما الى الاقليم الكردي يعني انه سيكون اقليماً قوياً ذا موارد نفطية مما قد يؤهله للتحول الى دولة مستقلة في المستقبل. وجاء الدخول الأميركي على خط هذه المشكلة ليزيدها تعقيداً على تعقيد. ففي حمأة اندفاعها لكسب الحرب على النظام البعثي أعطت واشنطن تعهدين متناقضين لكل من الحكومة التركية والزعامة الكردية العراقية. وعدت أنقرة بمنع الميليشيا الكردية من دخول كركوك والموصل. وفي الوقت نفسه وعدت الأكراد بالسماح لهم بدخول المدينتين كمكافأة بعد ان تحقق القوات الأميركية انتصاراً نهائياً في الحرب ضد النظام البعثي. ومع دخول القوات الأميركية بغداد تفجر التناقض. دخل المقاتلون الأكراد كركوك والموصل دون اعتراض أميركي. هددت تركيا بتدخل عسكري لتأديب الأكراد. تراجعت واشنطن وأمرت الأكراد بالانسحاب. لكن تبقى المشكلة قائمة.. وبالتالي تبقى الولايات المتحدة في ورطة. والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل تلجأ واشنطن من أجل تخلصها من التزامها نحو الأكراد إلى تحريضهم على قتال العرب العراقيين في كركوك والموصل؟ ولكن حتى لو حدث هذا فإن احتمال التدخل العسكري التركي يبقى قائماً. فحتى محاولة تغيير التركيبة السكانية في المدينتين مرفوضة رفضاً حازماً من جانب أنقرة.